مقالات

إعلان المقاطعة في عام ٢٠١٨م.. ليس بطولة!

البحرين اليوم – (خاص)

بقلم: كريم العرادي

كاتب من البحرين

 

علينا أولاً أن نشكر الذين أعلنوا عن مقاطعة الانتخابات، من السياسيين والعلماء والنخب والنشطاء. والشّكر هنا هو من باب: “ماشي.. أحسن ما لا شي”!

لكن على هؤلاء الذين أعلنوا مقاطعة الانتخابات أن يتوقفوا قليلا عن الشعور العظيم بـ”الإنجاز”. فما حصل هو مجرد إعلان بيانات مكتوبة على الورق، وهو استهلاك مشروع في وسائل الإعلام. ولكن ذلك لا يمثل شيئا كثيرا في المعادلة.

كان منتظرا من المقاطعين الحازمي.. الحاسمين، في عام ٢٠١٨م، أن يستهلوا بياناتهم بالاعتذار إلى الشعب أولا. كان مطلوبا قدرا معتدلا من الشفافية لكي يقولوا بأنهم كانوا مخطئين في المشاركة الأولى والثانية في برلمان حمد، وهي المشاركة التي تسببت في ترفيع عدد من الوجوه التي نبتلي بها حتى اليوم، وإنتاج سلسلة من الأوضاع المؤلمة، سياسيا وثقافيا.

كان المطلوب توجيه الاعتذار، ثانيا، إلى رموز الممانعة، عبد الوهاب حسين وحسن مشيمع وعبدالجليل السنكيس وغيرهم، الذين نالوا ما نالوه من التشنيع والتسقيط والتشويه و”التفسيق” أيضا، لأنهم قادوا المقاطعة منذ البدايات، وطالبوا بأن تكون مقاطعة حقيقية تمتد إلى مشروع حمد التخريبي. كان مطلوبا الاعتذار إلى كوادر الممانعة وشبانها الذين تعرضوا لأشنع الأوصاف واتُّهموا بأنهم “ضد العلماء”.

هذا أولا.

ثانيا، كان حريا بالمقاطعين في ٢٠١٨م أن يختصروا طول البيانات في كلمة واحدة: النظام فاسد، مستبد، فاشي، لا يمكن إصلاحه، لا من الداخل ولا من الخارج، والحل الوحيد هو إسقاطه، أو استبداله، أو بتره، أو إدخاله في ثلاجة الموتى. كان مخيبا للآمال، وربما مثيرا للخوف، أن بعض بيانات الدعوة للمقاطعة؛ كانت تتحدث عن هوامش الفساد، وآثار الاستبداد التي خلفها النظام، وكأن هؤلاء لا يزالون ينتظرون من النظام معالجات لها! المقاطعة في بيانات هؤلاء مازالت تكتيكا، وتهويشا، ومحاولة لتخريب لعبة الانتخابات. وتلك مصيبة كبرى.

أما ثالثا، فإن إعلان المقاطعة كان يحتاج أن يكون فرصة لتوحيد جبهة المعارضة، وإظهار قوتها أمام النظام. النظام في أضعف حالاته، وهو يترنح في أزماته السياسية والاقتصادية، علاوة على أزمة الشرعية الشعبية. إلا أن تشتت المعارضة، وتفرق صفوفها، وتسرّب أمراض الترهل و”الغنج” فيها.. يمنح النظام قوة مجانية.

كان الناس ينتظرون إعلانا موحدا يجتمع فيه رموز المعارضة من كل الجبهات والجهات، يقفون في صف واحد، وأمام الكاميرات كأنهم رجل واحد، لكي يلعنوا صوتا واحدا في رفض المشاركة، لكي يكون ذلك رسالة قوة في وجه النظام، ورسالة أمل إلى الناس. ولكن المشهد كان بائسا، وكئيباً، وطفوليا، ولا أريد أن أقول بأنه هزيل إلى حد الفجاجة.

وأخيرا وليس آخرا، فالمقاطعة أعلنها الناس قبل صدور البيانات الرسمية، ولم يكن هناك أي شك في أن هذا الخيار مزروع في الناس انطلاقا من تمسكهم بالثورة، وبأهدافها المعروفة. فلم يكن هناك أي حاجة للتحريض، ولا لإظهار إعلان المقاطعة وكأنه دعوة للغافل، أو تحفيز للساكن، أو توعية للجاهل. الناس وقواهم الحية أدّوا هذا الدور منذ زمن. أما المعارضون فالواجب عليهم أن يلتحقوا بالناس، وأن يسمعوا صوتهم، ليس في إعلان المقاطعة فقط، وإنما فيما وراء المقاطعة وما بعدها، ولا يكون ذلك إلا بأن تكف المعارضة عن الاستهلاكيات، وتبديد الوقت والجهد والطاقات في البهرجة و”البطر” الإعلامي، وأن تعطي للناس نموذجا حقيقيا للنضال السياسي، وأن تتعلم من الضحايا في الداخل والخارج ممن لازالوا يحافظون على نقائهم الثوري وإخلاصهم للناس من غير منة ولا راتب، ولم ينساقوا في البهارج، والشكليات، و”الأناقة” أمام الميكروفونات والشاشات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى