آية الله النمرما وراء الخبر

رمضان وعيد ٢٠١٦م: إعلان الحرب الخليفية على السكان.. وصراع الوجود والهوية

image

البحرين اليوم – متابعات
عيد آخر يحل على البحرانيين، والحال هو الحال. آل خليفة لم يغيّروا طريقتهم الخاصة في افتتاح الأعياد، وعلى النحو الذي لازالت تحكيه روضة الشهيد علي الشيخ الذي قتله الخليفيون بعد صلاة العيد قبل أكثر ٥ سنوات (٣١ أغسطس ٢٠١١م). المواطنون، ومنذ ذلك اليوم، اختاروا أن يحيوا هذا اليوم بأعراس الشهادة، وبالتظاهرات التي تقول بأن العيد، كلَّ العيد، هو عيدُ الشهداء. هذا العام، بقي الناس على العهد نفسه، وعائلة الشهيد لا تزال وفية لحقها في القصاص من القتلة، وتصر عليه في صبيحة كل عيد، فتزور روضة الشهيد، وتفتح المعرض الدائم لغرفة الشهيد التي تعج بذكريات الطفولة التي أزهقها سُرّاق الحياة والأفراح.

حكاية العيد هذا العام تبدو مليئة بالأوجاع، وأكثر مما مضى من الأعياد. كل الأحزان كانت حاضرة. روح الشهداء الطازجة ترفرف من جديد، وعذابات السجون على أشدّها، ومسلسل المداهمات لم يغب طيلة الليالي التي سبقت العيد. ولكن هذا العام أخذت نكهة العيد طعما إضافيا من القمع والانتهاكات، فلأول مرة يمنع الخليفيون إقامة صلاة العيد في غير اليوم الذي يحدّده النظام، وتم إغلاق المساجد قسرا في وجه المصلين الذين افترشوا الأرض لإقامة الصلاة، في حين كان “ميدان الوفاء” في الدّراز الحدث الخاص الذي خيّم على رمضان وعيد هذا العام، حيث واصل الناس اعتصامهم المفتوح أمام منزل آية الله الشيخ عيسى قاسم، منذ بدء التعدي الخليفي عليه وسلبه الجنسية، وهو الاعتصام الذي أضفى أجواء استثنائية في “معركة الوجود” الجارية بين آل خليفة والسكان الأصليين.

في صلاة العيد المركزية بالدراز، تحوّل ميدان الوفاء إلى فضاء عامر بالابتهال إلى الله تعالى، وكانت القلوب مشدودة إلى الشيخ الوقور الذي بات يمثل أيقونة “الوطن السليب” العصيّ على الخنوع والاستسلام للمحتلين، في حين كانت الغازات السامة تلاحق المواطنين الذين خرجوا إلى الساحات للتذكير بأن أفراح العيد المجمَّدة لن تُنسيهم القضية الأم، فكانت المعركة بين هتافات الثورة من جهة، وطلقات الموت الخليفي من جهة أخرى.

وفيما يلي رصْد للأحداث التي صبغت أجواء شهر رمضان وعيد الفطر في البحرين هذا العام، وهي الأحداث التي فرضت إيقاعا مختلفا على الشهر الكريم، وانتهكت حرمته والمناسات الدينية والاجتماعية التي اعتاد المواطنون على إحيائها.
‫-‬ الحرب الخليفية على السكان الأصليين: استهداف الشيخ قاسم‬

image

اختار آل خليفة شهر رمضان الماضي لتنفيذ أخطر فصول الحرب على السكان الأصليين. بعد اعتقال الناشط الحقوقي نبيل رجب، كان المدخل الأول في هذه الحرب؛ هو الإعلان عن غلق جمعية الوفاق، وذلك في ١٤ يونيو ٢٠١٦م (التاسع من شهر رمضان)، وتبعها مباشرة إغلاق أكبر الجمعيات الدينية، ومنع الصلاة جماعة في جامع الدراز، والتشميع على جمعية التوعية والرسالة، وبعدها إعلان قرار “الحرب” المباشرة بسحب الجنسية عن الشيخ قاسم، والتهديد بتسفيره قسرا من البلاد، لتبدأ ما وصفتها المعارضة بـ”الحرب الوجودية” على المواطنين، ومن بوابة الهوية الدينية، حيث تم التعدي المباشر على كبار العلماء، وفرض الوصاية على فريضة الخمس، استكمالا لقرار منع العلماء من الحديث في السياسة، واستهدافهم بمنع إمامة الصلاة والتحقيق والاعتقال.

هذا المخطط كان معدّا للتنفيذ في أي وقت، وكانت (البحرين اليوم) كانت سبّاقة في الكشف عنه ضمن تقارير أخيرة حملت عنوان “حصان طراودة”، وكان لافتا أن ما ورد في هذه التقارير، وما تم تسريبه فيها، جرى تنفيذه بسرعة وبشكل شبه كامل، وذلك ضمن جولة تبدو الأخيرة لإعادة رسم الخارطة السياسية في البلاد، وتمرير “وجوه سياسية مفبركة” تحمل تحت السطور المشروع الخليفي الذي لم يعد خافيا على أحد.
‫-‬ جنون متصاعد ضد السجناء السياسيين‬

image

في شهر يونيو، وقبيل شهر رمضان بأيام، نفّذ عدد من سجناء الحوض الجاف عملية نوعية بالهروب من السجن، وشكلت هذه العملية إشعارا على طبيعة الوضع الإرهابي الذي يعاني منه المعتقلون في السجون الخليفية، ما دفعهم لتنفيذ سلسلة من عمليات الهروب الفردية والجماعية، وكانت العملية المذكورة أكثرها جرأةً من حيث ظروف تنفيذها والإرباك الخليفي في التعامل مع العملية.

على إثر ذلك، وقبله، صعّد الخليفيون التعذيب الممنهج في السجون، وكشفت (البحرين اليوم) عن تفاصيل من المضايقات الجسدية والنفسية التي يعاني منها السجناء في الحوض الجاف وسجن جو. ولم تقتصر هذه الانتهاكات على السجناء الهاربين الذين تم القبض عليهم، وتخصيصهم بتعذيب قاس طيلة شهر رمضان. وقد شكى الأهالي من تعذيب أبنائهم، والتضييق عليهم، والذي أخذ بعدا مرسوما مع فرض نظام جديد للاتصال بالأهالي، واستهداف الرموز في ذلك.
‫-‬ الشهيدة فخرية مسلم.. شهيدة رمضان ٢٠١٦م‬

image
قبل ٤ أيام من عيد الفطر، فُجِع البحرانيون بجريمة مقتل المواطنة البحرانية الأستاذة فخرية مسلم، وذلك خلال عملية اغتيال تعرّضت لها من الحرس الخاص المرافق لموكب إحدى الشخصيات الخليفية التي كانت تعبر الشارع الرئيسي المطل على بلدة العكر، وذلك بحسب شهود عيان وثّقت (البحرين اليوم) شهاداتهم في تقرير خبري نشرته في حينه، وأكد مضمونها تقرير خاص أعدّه فريق تابع لإئتلاف شباب ١٤ فبراير.

شكلت هذه الجريمة، وبتفاصيلها المؤلمة، والرواية الخليفية الكاذبة حولها، مؤشرا إضافيا على إمعان الخليفيين في الاستهتار بأرواح البحرانيين، وإعطائهم الضوء الأخضر لفرق الموت لاستباحة الأرواح، وتوظيفها لأغراض أمنية واستخبارية. وفي الوقت الذي حرّك النظام كل وسائله لتسويق روايته المزعومة حول الجريمة، وتوجيه التهمة إلى شبان الثورة عبر الحديث عن تفجير في صراف آلي في بنك المستقبل بالعكر، وتسببت شظاياه في استشهاد فخرية، إلا أن المواطنين عبروا عن وعيهم لهذه المسرحيات وذلك من خلال المشاركة الحاشدة في مراسم تشييع الشهيدة وفي ختام العزاء، وأكّد المواطنون خلالها على ضلوع آل خليفة في هذه الجريمة، ورفعوا شعارات الثورة، وعلى رأسها مطلب إسقاط النظام.

روح الشهيدة كانت حاضرة عشية عيد الفطر، حيث خرجت تظاهرات ثورية وعمليات ميدانية لتأبين روحها، وللتعبير عن الوفاء لدمائها والتمسك بالقصاص من آل خليفة. تسجيلُ رقم جديد في قائمة شهداء الثورة في آخر أيام شهر رمضان؛ رسّخ الصورة العامة التي يحملها المواطنون بشأن الرغبة الخليفية في طبع الأعياد بجرائم القتل، وهي الصورة التي كوّنها المخيال العام للناس على مدى السنوات الماضية، ومنذ سقوط الشهيد علي الشيخ على يد القوات الخليفية في عيد الفطر من العام 2011م.
‫-‬ اعتقالات ومداهمات لمنازل المواطنين

Cmka-arWAAA3fXf

قبل أيام مع عيد الفطر، جدّدت القوات الخليفية هجماتها على منازل الأهالي، واعتقلت عددا من الشبان ضمن سلسلة من المداهمات التي طبعها الترويع وانتهاك حرمات المواطنين.

المداهمات استمرت طيلة أيام وليالي شهر رمضان وحتى عشية يوم العيد، وما بعده، وشملت العديد من المناطق والبلدات، وبينها المعامير، العكر، نويدرات، سترة، عالي وغيرها. وأكدت القوى الثورية بأنّ هذه المداهمات تمثل محاولة خليفية “عبثية” لبث “الرعب والهلع في صفوف النساء والعجزة والأطفال، بعد عجزها عن كسر إرادة الجماهير المقاومة، وتقهقرها أمام نزول ثوار البحرين الشجاع إلى الساحات والشوارع”، بحسب تعبير بيان خبري أصدره إئتلاف ١٤ فبراير في ٣ يوليو الجاري.
‫-‬ التضامن مع القطيف والعراق واليمن وفلسطين‬
في شهر رمضان هذا العام، وفي عيد الفطر أيضا، لم ينس المواطنون في البحرين التضامن مع شعوب المنطقة المجاورة، ومع القضايا المصيرية للأمة. في الأعوام السابقة، كان الملف العربي والإسلامي الأبرز في فعاليات البحرانيين في شهر رمضان؛ هو ملف القدس، حيث استمرت القوى الثورية – ودون انقطاع – في إحياء يوم القدس العالمي في آخر جمعة من رمضان، وكانت تُعلن كل عام عن برامج تعبوية تسبق هذه المناسبة، وتُخصّص عنوانا خاصا بفعالياتها. هذا العام، وإضافة إلى يوم القدس، حضرت ملفات أخرى للشعوب المظلومة التي تواجه الإرهاب والجرائم من الحكومات والجماعات التكفيرية.

في القطيف، وفي شهر رمضان، أقدمت القوات الخليفية على جريمة بقتل الحاج الشهيد عبد الرحيم الفرج، بعد مداهمة منزله في بلدة العوامية، مسقط رأس الشهيد نمر النمر. ومع مرور ١٤ يوما على الجريمة، لا تزال جثمان الشهيد محتجزة لدى السلطات السعودية، وهو إجراء اتّبتعه السلطات مع الشهداء الذين قتلتهم خلال العام الجاري. وقبل يومين من عيد الفطر، شهدت منطقة القطيف جريمة إرهابية فاشلة كانت تستهدف مسجد العمران المجاور لسوق مياس بالقطيف، وقد أسهمت الإجراءات الأمنية للجان الأهلية في إحباط الجريمة والحيلولة دون وقوع كارثة دموية بحق مئات المصلين، وقد تبع هذه الجريمة تفجير آخر استهدف نقطة أمنية بالقرب من المسجد النبوي.

وفي اليمن، استمر العدوان السعودي في قتل اليمنيين، وهي قضية كانت حاضرة في الميدان البحراني منذ بدء العدوان في مارس ٢٠١٥م، ولم يمنع القمع والإرهاب الخليفي عن المضي في هذا التضامن الذي أخذ أشكال متنوعة خلال المراحل المختلفة للعدوان، لاسيما مع اعتقال عدد من النشطاء والمواطنين على خلفية إشهار هذا التضامن والتعبير عنه عبر البيانات المكتوبة ووسائل التواصل الاجتماعي.
الحدث الأبرز الذي حظي بتضامن البحرانيين في آخر شهر رمضان كان من العراق، حيث وقعت مجزرة الكرادة، وراح ضحيتها مئات من الشهداء، وهي الجريمة التي اعتبرتها قوى ثورية في البحرين انتقاما من آل سعود للتعويض عن خسائرهم في أكثر من منطقة ومحور، وخاصة في الفلوجة، وبعد انتصارات العراقيين على تنظيم داعش.
‫-‬ أكياس الرمل: محسن العصفور ورأس الحربة المسكورة‬
في خطوة “غير مسبوقة” أعلنت الأوقاف الجعفرية (التابعة للنظام) بأنها لن تسمح بإقامة صلوات العيد في حال لم يتطابق ذلك مع إثبات النظام لرؤية هلال العيد. وكان هذا الإعلان “تتمة” للحرب الخليفية على عقائد السكان الأصليين، وعبر “أكياس الرمل” من المحسوبين على رجال الدين الشيعة، وهم فئة ثبت بأنها ضئيلة، ومرتبطة بمصالحها الشخصية والمادية مع النظام، وأظهرت ولاءا مفتوحا للأجندة الأمنية والتخريبية التي دأب على تنفيذها تدريجيا، وإلى حين الإفصاح عن أقصى مستوياتها في الحرب على المؤسسات الدينية والشيخ قاسم، وبرز محسن العصفور رأس حربة مكسورة في هذا التوظيف الخليفي والذي لم يفلح في تحقيق أي خرق داخلي، ووجه العصفور بحملة واسعة من الفضح والاعتراض الشعبي والقانوني.
‫-‬ تظاهرات “عيد شهيد” وضباب الغازات يوم العيد

image
مع صبيحة يوم العيد، الأربعاء ٦ يوليو، شارك المواطنون في تظاهرات واعتصامات أحيى فيها المواطنون ذكرى الشهيد علي الشيخ، وكان أبرزها تظاهرة العيد في سترة، كما عبرت التظاهرات التي امتدت حتى المساء، عن الاستعداد لمواجهة مخطط الاضطهاد الطائفي الخليفي، والانتصار للشيخ قاسم، وتأكيد العزم على الاستمرار في الاعتصام المفتوح في “ساحة الفداء” (أمام منزل الشيخ قاسم في الدراز).
وبموازاة فعاليات ميدانية، وبينها في محاور “ميدان عبد الكريم” (جدحفص)، اعتصم الأهالي صباح العيد في أكثر من بلدة، رافعين صور الشهداء والرموز والشيخ قاسم، ومن ذلك الوقفات الثورية التي شهدتها بلدات البلاد القديم، المصلى، أبو صيبع، السهلة الجنوبية، الشاخورة، المرخ، باربار، عالي، بوري، المالكية، كرزكان، صدد، وغيرها.
بالتوازي مع ذلك، زار المواطنون روضات الشهداء، وتم تنظيم زيارات لعوائل المعتقلين والتضامن معهم في أيام العيد.
القوات الخليفية عمدت إلى قمع أكثر التظاهرات الشعبية، وأطلقت الغازات السامة على المتظاهرين، في إصرار من آل خليفة على تعميم أجواء القمع والإرهاب في كل زوايا الوطن، وفي مختلف المناسبات، وخاصة تلك التي تحمل عنوانا دينيا، مثل شهر رمضان وعيد الفطر المبارك. إلا أن المواطنين هذا العام، ورغم قسوة الجرائم واكتظاظها، رفعوا الصمود والتحدي عنوانا لرد الفعل الشعبي، والذي عكس ثقافة “المقاومة والتحدي” التي رسختها سنوات الثورة ويومياتها الحاسمة، وحثت عليها القوى الثورية هذا العام خاصة لمواجهة الحرب المفتوحة لآل خليفة، فيما شددت القوى على الاستعداد العام لما وصفته بـ”المقاومة المشروعة الشاملة” لهذه الحرب وأدواتها المحلية والإقليمية والدولية.

الصمود الشعبي في عيد الفطر جدد الاطمئنان لدى المواطنين بـ”عيد النصر” الآتي، ومهما تكاثرت الأشواك والتمعت بيارق الغدر. فالدموع والآهات والتضحيات هي جسر العبور إلى أعياد النصر، حيث تتحق العدالة، ويُساق مجرمو آل خليفة وآل سعود إلى محاكمة القصاص، لتشعّ قلوب عوائل الشهداء والمعتقلين والجرحى والمطاردين والمهجرين وضحايا الإجرام الخليفي.. وفي انتظار هذه الأعياد يرفع قادة الميدان رايات الثأر والثورة، ويغرسون إرادات لا تلين وعزائم تتضاءل أمامهم الرواسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى