جواد عبدالوهابغير مصنفمقالات

السلطة تبدأ مرحلة "الخبث" بعد فشل "القمع"

 

IMG_7119
جواد عبد الوهاب – كاتب صحفي – لندن

تمر الثورة البحرانية بأخطر مراحلها بعد أن تجاوزت بنجاح مرحلة القمع الذي عجزت آلته عن إخمادها، وجاءت مرحلة الخبث الذي طالما نجح الخليفيون من خلاله على إخماد جميع الثورات التي قام بها شعب البحرين على مدى أكثر من 240 سنة.

فآل خليفة وطوال تاريخهم وعلى الرغم من استخدامهم للخيار الأمني في جميع مراحل الصراع الذي خاضوه مع شعب البحرين؛ لم يستطيعوا إخماد أي ثورة أو انتفاضة من خلال القمع، وكانوا في كل مرة يلتفون على المطالب من خلال الدهاء والخبث السياسي بعد أن تعجز آلتهم القمعية في تركيع الشعب.

اليوم، أزعم أن التاريخ يعيد نفسه، فها هي السلطة، وبعد أن مارست شتى أنواع القمع، وقتلت، وسجنت، وشرّدت الآلاف، وهدمت المساجد، واعتدت على الأعراض؛ تتجه للبدء بإنجاز المرحلة الثانية، وهي مرحلة “الخبث” والالتفاف على مطالب الثورة، ولكن في ظروف مختلفة تماما عن تلك الظروف التي مارس فيها آل خليفة دهاءهم وخبثهم. فالبحرانيون اليوم مؤمنون بأن قضيتهم قضية واحدة، لا تتجزأ، وأن حلها رهن بتحقيق التغيير بشكل عميق، ولا ينحصر بتجزئة القضية وتحويلها إلى ملفات، على الرغم من وضوح مطالب الشعب البحراني، وعلى رأسها مطلب تقرير المصير.

إن محاولة تفكيك الثورة وتسميتها بأزمة، ومحاولة إغراء المعارضة السياسية بتوزير بعض كوادرها، والعمل على تخفيض سقف النقاش في داخل البلد من (إسقاط وإصلاح) إلى مكاسب وأثمان من خلال طرح مشروع تعديل الدوائر الانتخابية؛ لن ينجح اليوم مع جيل ثائر قرأ تجربة الشعب مع هذه السلطة قراءة جيدة وصحيحة. فمحاولة إشغال الشارع تارة بالانتخابات، وأخرى بملف التجنيس، وثالثة بالبطالة، لن يمحو من ذاكرة الشعب أن ثورته إنما تفجّرت من أجل هدف واحد، هو تقرير المصير، وأن الصمود والصبر الذي أظهره الشعب أمام قساوة ممارسات السلطة لن يزعزعه الخبثُ والدهاء السياسي.

وعندما يصر شعب البحرين على أن الحل يكمن في التغيير الجذري، فإن ذلك يعني بصورة بسيطة؛ أنه يقرأ مخططات السلطة بصورة صحيحة، وأنه وصل إلى قناعة تامة بأن السلطة تعمل في موازاة القمع على التأثير على الوعي، وأنها تحاول أن تحدث خللا في شعور الناس بأن أهدافهم بالتغيير الجذري لا يمكن تحقيقها، وأن أي تغيير لا ينسجم وتوجهات السلطة لا يمكن تحقيقه.

إن الحرب النفسية التي تشنها السلطة، ومحاولة اللعب بورقة التأثير على الوعي البحراني؛ لا يمكنها أن تُحدث أي انحراف في الأهداف، خاصة وأن الأوراق التي تلعب بها السلطة باتت مكشوفة لدى الجميع، وأن التضحيات الكبيرة والجسيمة التي قدمها الشعب على مدى أكثر من ثلاث سنوات؛ كفيلة بأن تكون سدّا منيعا أمام مشاريع السلطة الخبيثة، وأن كل ما تطرحه السلطة اليوم ليس له علاقة بحركة الأحداث، ولا يعبر عن متطلبات المرحلة. ومن الخديعة أن يُخيّل لنا أن تنفيذ بعض توصيات (المحقق شريف) بسيوني، أو الإفراج عن بعض المعتقلين؛ من شأنه أن يُشكل عامل اختراق في الوعي البحراني، أو في جدار الثورة.

بل على العكس من ذلك، ربما تشكل سياسات السلطة (الخبيثة) وممارساتها (القمعية) عامل تشبّث بالأهداف والمطالب، ووضوحٍ في الرؤية، حتى لأولئك الذين راهنوا طوال الفترة الماضية على إمكانية إحداث ولو ثغرة بسيطة في جدار الاستبداد والتسلط الخليفي.

إذا كان هذا الاستنتاج صحيحا، فالمطلوب اليوم هو بعث الروح في الثورة، وعودة الجميع إلى هذا الموقف الإيجابي الفاعل الإرادي السليم، وهو أن الشعب قادر على تحقيق غاياته، وأن مبررات الثورة كانت صحيحة وسليمة. وأن النضال بأوسع معانيه في الشارع هو الذي سيحقق أهداف الثورة، وليست الوعود الكاذبة أو الغرف المغلقة.

والسؤال المطروح اليوم – وإنْ كان على شكل كاركاتيري – هو: هل من المقبول أن يكون ثمن كل هذه التضحيات، وكل هذه الممارسات اللا أخلاقية واللا إنسانية وكل هذه العذابات؛ هو تغيير بعض الوجوه أو تعديل بعض الدوائر، أو وعود كاذبة بتوزير بعض أقطاب المعارضة؟ أظن أن تجارب الشعوب الأخرى لا تدفعنا الى الجواب بنعم.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى