ساهر عريبيمقالات

أهداف زيارة وزير خارجية البحرين إلى بغداد

 

البحرين اليوم – (خاص)

بقلم: ساهر عريبي – إعلامي عراقي
SAILHMS@yahoo.com

 

وصل وزير خارجية البحرين خالد أحمد آل خليفة إلى العاصمة العراقية بغداد اليوم الأحد في زيارة مفاجئة لم يُعلن عنها مسبقا، ولم تُعرف كذلك طبيعة المواضيع التي سيبحثها خلال اللقاءات التي سيجريها مع كبار المسؤولين العراقيين، وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ورئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير الخارجية إبراهيم الجعفري.
وقبل الخوض في الأهداف والأسباب التي تقف خلف هذه الزيارة، لابد من الإشارة الى أنها تأتي في ظل موجة من الانفتاح الخليجي على العراق، هي الأولى من نوعها منذ سقوط نظام صدام حسين عام ٢٠٠٣م، وقد اكان من أبرز المتأسفين على سقوطه هما نظامي الحكم القائمين في كل من السعودية والبحرين. ولذلك، لم يكن مستغربا أن تتسم علاقات هاتين الدولتين مع العهد الجديد في العراق بالفتور، خاصة وأن قيادات الرياض والمنامة كانت تربطهما علاقات وثيقة بالنظام السابق، وخاصة رئيس وزراء البحرين خليفة سلمان آل خليفة الذي يحكم البلاد منذ استقلالها الذي يُصادف غدا من العام ١٩٧١، أي قبل ٤٦ عاما، وعُرف عنه إعجابه بصدام وبسياساته القمعية إلى الحد الذي كان يعلق فيه صورة صدام في مكتبه كما أكّد لي ذلك العديد من البحرانيين.

كما أن نظامي السعودية والبحرين لم تكتفيا باتخاذ موقف سلبي من التغيير في العراق، بل إنهما تورطتا بشكل كبير في دعم الجماعات الإرهابية في المنطقة وفي الترويج للفتنه الطائفية. وفيما يتعلق في البحرين فقد ساد فيها الخطاب التكفيري الذي روّج له نواب أمثال جاسم السعيدي والنائب السابق لرئيس برلمان البحرين عادل المعاودة، وكذلك عبد الحليم مراد، والنائب السابق حمد المهندي، وفيصل الغرير، والنائب محمد خالد. ويُضاف إلى ذلك وسائل الإعلام الحكومية التي طالما أهانت مقدسات الشيعة، وحرّضت عليهم في إطار سياسة حكومة شاملة تهدف إلى تحويل الشيعة – وهم أكثرية سكان البلاد – إلى أقلية في أرض أجدادهم، من قبل عائلة آل خليفة التي احتلت البحرين قبل أكثر من قرنين من الزمن عندما زحفت نحوها من موطنها في الزبارة بدولة قطر المجاورة.

هذا الخطاب التكفيري روّجت له وزارة الداخلية في البحرين، وثقّفت عليه منتسبيها، ما أسفر عن التحاق عدد منهم بتنظيم داعش الإرهابي، وفي مقدمتهم شقيق منظّر داعش المقبور تركي البنعلي، والذي كان يعمل ضابطا في وزارة الداخلية.

هذه السلطات واجهت عدة انتفاضات من البحرانيين الذين حكمتهم بالحديد والنار، وتركزت جميع انتفاضاتهم على المطالبة بمعاملتهم كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وليس كمواطنين درجة خامسة، كما هم عليه اليوم بعد عائلة آل خليفة ومؤيديها من السنة والمجنسين الأجانب، ومن ثم السنه العاديين، ليحلّ الشيعة في الآخر ضمن معاناة ممنهجة من سياسات التمييز والإقصاء وخاصة في المؤسسات الأمنية والعسكرية المحظور على الشيعة الإنتساب لها. وكانت آخر انتفاضة شهدتها البلاد انطلقت في فبراير من العام ٢٠١١ ولازالت متواصلة. وقد قمعتها السلطات بكل قسوة، مستعينة بالجيش السعودي الذي احتل البلاد عام ٢٠١١م ولا زال جاثما على صدر أهلها، ثم حوّل آل خليفة البحرين – وهي جزيرة صغيرة – إلى قاعدة للقوات الأجنبية، فهي مقر للأسطول الخامس الأمريكي، وهي تضم أول قاعدة عسكرية بريطانية في المنطقة منذ انسحاب قوات بريطانيا العظمى من شرقي قناة السويس أواخر الستينات من القرن الماضي، وهناك أيضا قوات إماراتية وقوة من الدرك الأردني، وآلاف المرتزقة المستوردين من مختلف بلدان العالم ممن يعملون في الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتهم عناصر من جهازي أمن ومخابرات النظام الصدامي، بإلإضافة إلى منْ يُعرَفون بـ”فدائيي صدام”.
لكن السلطات فشلت، وبالرغم من كل ذلك، في وقف الإنتفاضة التي شهدت سقوط ما لا يقل عن مئة وتسعين شهيداً واعتقال أكثر من ٤٠٠٠ بحراني وإسقاط جنسية المئات، وحلّ كبرى الجمعيات المعارضة في البلاد، وفي مقدمتها جمعية الوفاق، وسجن زعيمها الشيخ علي سلمان, وأخيرا إسقاط جنسية الزعيم الروحي للشيعة في البحرين آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم وفرض الإقامة الجبرية عليه ومحاكمته بتهمة أداء فريضة الخمس.

هذه السلطات تعيش مأزقا اليوم، وهي لاتعرف كيفية الخروج منه، وقد ألقت هذه الأزمة الأمنية بظلالها على الوضع الإقتصادي في البلاد التي شهدت موازنتها عجزا في السنتين الأخيرتين إثر إنخفاض أسعار النفط وتزايد الإنفاق العسكري والأمني على خلفية قمع الإنتفاضه وتورُّط النظام في حرب اليمن. وبرغم هذا المأزق الأمني والإقتصادي؛ أغلقت السلطات كافة أبواب الحوار مع فصائل المعارضة، وزجّت في السجن بقادة الحراك وبالحقوقيين، وأبرزهم نبيل رجب رئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان، وآخرهم الحقوقية ابتسام الصائغ التي تم اعتقالها وتعذيبها بعد مشاركتها في أعمال مجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة بجنيف.

ومن هنا يمكن أن تتضح الأهداف الحقيقية لزيارة خالد آل خليفة إلى بغداد.

فهذه الزيارة لا تخلو من تحقيق أربعة أهداف محتملة:

– الهدف الأول: إنها تندرج في إطار تطبيع العلاقات مع العراق وطي صفحة العداء مع العهد الجديد، خاصة بعد أن استعاد العراق شيئا من عافيته بعد تحرير مدينة الموصل الذي وجّه ضربة قاصمة لتنظيم داعش الإرهابي صنيعة الأنظمة الخليجية الطائفية، في الوقت الذي تحاول السعودية والبحرين عبر هذه الزيارت امتصاص حالة الغضب والنقمة على دعمهما للجماعات الإرهابية وترويجهما للفكر التكفيري.

– الهدف الثاني: وهو مكمِّل للأول، حيث يبدو أن سياسة البحرين وهي تبعٌ للسعودية؛ تهدف إلى إعادة العراق إلى محيطه العربي الخليجي، وإبعاده عن الدوران في “الفلك الإيراني”، بالرغم من أن ايران لم تُعادِ الوضع الجديد في العراق، بل وقفت داعمة له طوال السنوات الماضية، كما أنها حاربت الإرهاب في العراق، وعلى العكس من السعودية والبحرين.

ـ الهدف الثالث: من المحتمل أن تكون الزيارة محاولة من السلطات الحاكمة في البحرين من أجل طي صفحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم عبر الطلب من السلطات العراقية السماح باستضافته في مدينة النجف الأشرف.

– الهدف الرابع: وأخيرا، من المحتمل أن الزيارة تنطوي على سعي من السلطات لوضع حد للأزمة السياسية المتواصلة في البحرين، والتي ستضع البلاد على حافة الإفلاس في العام ٢٠٢٠م وفقا لتوقعات اقتصاديين، ومنهم الإقتصادي البحراني البارز والمعارض إبراهيم شريف.

 

فيما يتعلق بالهدف الأول، فإن على المسؤولين العراقيين ألا يطووا صفحة الماضي بمجرد أن هذه الدول بدأت بالإنفتاح على العراق، و”تبويس اللحى” (رغم أن خالد آل خليفة وعادل الجبير ليس لديهما لحى) فالعراق ليس بحاجة إلى علاقات مع هذه الدول بعد أن نجح في معركته ضد قوى الإرهاب، وبات اليوم أقوى مما كان عليه قبل سنوات. كما أن العراق استعاد دوره في أسواق النفط بعد أن تجاوز إنتاجه حاجز الأربعة مليون برميل يوميا، وهو ما يُفسر تطلع السعودية إلى التعاون معه من أجل التحكم بأسعار النفط.
ولذلك، فإن غض العراق عن دور هاتين الدولتين في تدمير البلاد طوال السنوات الماضية لا ينبغي أن يكون “بخسا”، وهو تعزيز العلاقات فقط. فكما أن أمريكا أقرت قانون “جاستا” الذي أثار حفيظة السعودية التي أبرمت عقود مع أمريكا بقيمة ٤٦٠ مليار دولار بهدف التخلص من وطأة هذا القانون؛ فلا ينبغي للحكومة العراقية أن تتنازل عن حقها في مطالبة نظامي السعودية والبحرين بتعويضات وتعهدات بعدم دعم الجماعات الإرهابية، وكمرحلة أولى يجب أن يطلب العراق من هاتين الدولتين تجريم الخطاب الطائفي التحريضي.
وبالنسبة للهدف الثاني؛ فعلى الحكومة أن تكون واضحة في هذا الشأن مع البحرين والسعودية، وأي دولة أخرى، وهي أن اي علاقات مع هذه الدول لن تكون على حساب إيران، وأن العلاقة مع الأخيرة هي إستراتيجية ضمن إطار احترام سيادة البلدين وعدم التدخل في شؤونهما الداخلية، وبذلك تقطع الحكومة الطريق أمام أي محاولة سعودية لدق إسفين بين العراق وإيران التي لا يمكن نسيان مواقفها الداعمة للتغيير الذي حصل في العراق.

وفيما يتعلق بالهدف الثالث للزيارة فلابد للحكومة العراقية من عدم إلقاء “طوق النجاة” إلى النظام الحاكم في البحرين عبر السماح له بتسفير آية الله قاسم بعد أن أسقط جنسيته، بل يجب مطالبة النظام بإعادة جنسيته واحترام مقامه باعتباره زعيما لشيعة البحرين. وفي حال تحججت حكومة البحرين بأن ذلك شأن داخلي؛ فيجب رفض أي طلب لها بهذا الخصوص، لأنه شأن بحراني داخلي بحسب ادّعائها.

وأما الهدف الرابع، وهو حل الأزمة السياسية في البحرين، فعلى الحكومة العراقية أن تعرض حلها للأزمة إنْ طلب منها خالد الخليفة ذلك، والحل هو في طلب العراق من آل خليفة في أن تعامل شيعة البحرين كما تعامل حكومة الأغلبية الشيعية سنة العراق فيما يتعلق بمشاركتهم في إدارة شؤون البلاد، وذلك عبر إجراء انتخابات حرة وبدوائر انتخابية بحسب تعداد السكان، ويتولى الفائز في الإنتخابات تشكيل حكومة وحدة وطنية وإنهاء كافة سياسات التهميش والإقصاء ضد الأغلبية الشيعية في البلاد. وكبادرة على حسن نية النظام، وقبل دخول العراق كوسيط لحل الأزمة؛ يجب على النظام إطلاق سراح كافة السجناء السياسيين والحقوقيين وخاصة قادة ورموز ثورة الرابع عشر من فبراير وإعادة الجنسية لمنْ أسقطت عنهم وإلغاء أحكام الإعدام والسماح بعودة المهجرين. وبغير ذلك؛ فإن جميع الحلول الترقيعية والوساطات هي إنقاذ للنظام من مأزقه الذي أوقع نفسه فيه، وهي سهم سيوجّه إلى قلوب شيعة البحرين الذين يعقدون كثيرا من الآمال على العراق لإنقاذهم، بعد أن تكالبت عليهم القوى الخارجية التي تدافع عن مصالحها الخاصة، ولو على حساب سحق البحرانيين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق