حسن الستراويمقالات

بعد سنين من الغربة.. لقاء بلا موعد

 

البحرين اليوم – (خاص)

بقلم: حسن عبدالنبي الستراوي

ناشط بحراني

 

لم يكن عام ٢٠١١م بداية مأساة الشعب البحراني، فالشهداء كانوا قبل ذلك يتساقطون، آخرهم كان قبل عام ٢٠١١ وهو الشهيد حسن جاسم الذي استشهد في العام ٢٠٠٧ والذي تلت مأساة استشهاده اعتقالات واسعة شملتني وعددا آخر من أبناء البحرين. وحتى محنة الاغتراب لم تكن نتاج ثورة اللؤلؤ عام ٢٠١١ فقد كانت الغربة عنوانا آخر لكثير من المستهدفين، كنتُ أحدهم ولم أكن آخرهم. كان عام ٢٠١٠م آخر عهدي بأرضي وقريتي وأهلي وأحبتي وتاريخي ومنبتي بعد رحلة سفر طويلة انتهت هنا في أستراليا.

هل تتخيلون أن يغيب ابن عن والديه سبع سنوات؟ عن أرضه؟ عن وطنه؟ عن أخوته وأقرانه وصحبه؟ عن ليالي سمره وأيام صباه؟ نعم غبتُ وغابت عني ملامح الوطن وعشرة الأهل ورفقة الصحب. كما يغيب كثيرون من أبناء وطني (مغتربين ومطاردين ومعتقلين)، لكن الله أرحم الراحمين بعباده، مدبّر الأمور واللقاء والعلاج والدواء للأنفس المغتربة الوالهة لأحبتها وأرضها.

علمتُ مع بداية الإجازة الصيفية أن والديَّ قد عزما على زيارة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام. كان قلبي يخفق، وصور الذكريات بدأت تتقاطر على كياني. فزيارتهما للإمام تعني إمكان أن يقع لقاء بيننا. لقاء طالما انتظرته وتمنيته وحلمت به. لكني لم أهيئ الظروف لسفر طويل!

وهكذا.. شددت الرحال لضيافة أنيس النفوس، وها هي أيام زيارتهما قد اقتربت من النهاية، وبالتالي فرصتي للقائهما بدأت في التقلص، ويعلم الله متى تتجدد! وجدت نفسي أبحث عن أقرب رحلة، وبدعم وتشجيع من زوجتي التي أبدت الاستعداد لتحمل أعباء الأسرة والأبناء في الغربة مقدِّرة شوقي وحنيني لهما. همست لي: “إنهم أيضا للقائي مشتاقون”، وما بين شعور بالاضطراب لترك زوجتي وأبنائي وحدهم هنا، وبين شعور بالشوق للقاء أحبة هناك، مع فيض آخر من مشاعر الألم كل الألم بأن تلتقيهم لكن لا لتعود معهم لوطنك وبيتك، بل لترجع نحو الغربة مجددا، تماما كما هو حال السجين، بل أقسى، وهو وضع عايشته بنفسي قبل غربتي عندما تزورك أسرتك في الشهر مرة ولمدة ساعة، وبعدها يرحلون لتعود للسجن وعذابه وظلمته على أمل اللقاء مجددا.

هي مشاعر لا تقلّ ثقلا عن تلك المشاعر التي تفترس أسرتك التي تعيش القلق بسبب بُعد الابن والحرمان من رؤيته، وهم لا يعرفون كيف يعيش؟ ومن أين يأكل؟ وما هي ظروفه وأحواله؟ وكلنا يعرف قلب الوالدين على الأبناء مهما كبرنا، فنحن بالنسبة لهم “أطفالهم المدللين”!

بدأت رحلة سفري للقاء والتي استغرقت ٢٢ ساعة، حيث كان الوقت يعاندني وهو يتثاقل في الحركة. حاولت النوم هروبا من مشاعر الشوق واللهفة وأنا أتصور كيف سيكون اللقاء؟ كيف سيكون شكلهما وماذا تغير فيهما؟ وكيف سأتصرف عند لقائهما؟ أأقبل الأرجل أولا أم الأيدي أو ارتمي مقبلا رأسيهما؟ دوّامة من الشوق والخوف، لا أدري كيف سيكون وقع المفاجأة على قلبيهما المتعبين، وكل ما أرجوه أن يرسم اللقاء أحلى بسمة على وجهيهما. أردته لقاءا مميزا يليق بحجم شوقي لحضنهما. لقاءاً يعبر عن شديد اعتذاري لكلّ ألم أذى وحزن عاناه بسببي. وبعد ذلك، لا أدري أيتكرر اللقاء أم تبخل علي الدنيا بغيره لا سمح الله!

اليوم وبعد ٧ سنوات من الفراق والحرمان.. بعد ٧ سنوات من الهجرة ولوعة الغربة.. بعد ٧ سنوات من الدعاء والصبر والانتظار؛ ها أنا ذا في حضن والديّ العطوفين الصابرين الشامخين.. ها نحن نلتقي في ذات الشهر الذي شاء الله فيه أن اغادر بلدي الحبيبة البحرين (أغسطس ٢٠١٠) وقد أبت المشيئة الإلهية ولطف الله وكرمه (وبركات الإمام) إلا أن يعيد اللقاء مع والديّ، وعلى أطهر البقاع تحت قبة الإمام الرؤوف العطوف، أحد أبواب رحمة الله.

اللقاء لا تصفه الكلمات والعبارات. والدي الذي أحنى الفراق ظهره وملأ الشيب رأسه -وقارا، ووالدتي أثقلها طول الانتظار للقاء أبنائها المفرّقين بين السجون (إبراهيم وعبدالكريم) والمهجر!

وما أكثر الآباء والأمهات الذين اسودّت حياتهم بسبب فراق أبنائهم، يعانونون القلوب المعصورة بالآلام. أبناء رحلوا شهداء، وآخرين خلف القضبان أو مشردين في أصقاع الأرض، لا يعلم بحالهم إلا الله.

ربي امسح على قلب والديّ، فقد حملا من الصبر سنين طويلة.. وردّ كلّ غريب لأرضه وأهله، وفك كل أسير، واشفِ كل مريض، واهلك الظالمين والمجرمين.

هذه حكايتي، وهي جزء من معاناة عشرات بل ومئات وربما آلاف من المواطنين في البحرين، فلا تكاد تخلو عائلة بحرانية من شهيد أو سجين أو مختطف مجهول المصير أو مطارد أو مهجر.. وبالله المستعان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى