مقابلات

الباحثة الإيرانية فرح أنصاري في حوار مع (البحرين اليوم): السياسة السعودية مزاجية ويُديرها “سفراء أجانب سابقون” (١-٢)

البحرين اليوم – (خاص)

تقرأ الباحثة الإيرانية فرح أنصاري المشهد السياسي المركب في الخليج والمنطقة بعين الباحث المتبصِّر في أسباب القوة والضعف. ترى أنصارى في حوارها مع (البحرين اليوم) بأن السياسة السعودية تُعاني من “مزاجية” أملتها الاندفاعة المتسرعة للحصول على النتائج وتعدُّد مراكز القوى فيها، فيما ترى أن ملف التطبيع مع إسرائيل سيكون من أهم الملفات التي ستتولاها السعودية في ثوبها الجديد بعد زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الرياض في مايو الماضي.

تحديات عديدة يواجهها مجلس التعاون الخليجي، بحسب أنصاري، وترصد لمعالم العقبة العُمانية والكويتية في وجه السعودية، وكيف أن الأمور لن تأخذ تصعيدا أكثر في الأزمة مع قطر في ظل تشخيصها للأزمة على أنها خلاف أسري بين الأنظمة الحاكمة حول حجم الأدوار داخل المشروع الأمريكي الجديد في المنطقة. تجوب أنصاري في حوار مع (البحرين اليوم) في أرجاء جيوسياسيات المنطقة وتقدّم إجابات حذرة لا تخلو من عمق فاحص.

وفيما يلي الجزء الأول من نص المقابلة:

 

* كيف تقرئين الخارطة الجيوسياسية لتموضع إيران والسعودية في المنطقة؟

 – من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط تشهد صراعاً بين محورين؛ أحدهما بقيادة الجمهورية الاسلامية في إيران، والمتمثل بسياستها المسماة “الممانعة”، وهذه السياسة لم ترضِ أميركا ومحورها وحلفاءها إسرائيل والسعودية ودولاً أخرى، اذ ترى أن سياسة إيران يعرض مصالحها للخطر. لهذا شرع المحور الأميركي ومنذ العام ١٩٨٠ إلى تنفيذ إستراتيجات مختلفة تهدف إلى الحد من تأثير إيران وتحجيمها، حيث يتم في كل فترة اختيار إستراتيجية معينة وفقاً للمواقف الدولية والإقليمية المتغيرة والمؤثرة في المنطقة، ويعتمد تنفيذ كل إستراتيجية على شركاءَ محليين ودوليين.

 

* وكيف ترصدين بروز الدور السعودي في هذا السياق؟

– في العام ٢٠٠٣ وتحت شعار مكافحة الإرهاب في المنطقة؛ قامت أميركا باحتلال العراق وجعله ساحة للصراع الإقليمي، تبعتها موجة إيقاظ طائفي استعملت فيها الولاياتُ المتحدة عدداً من الأنظمة كأدواتٍ لإيقاظ  هذه النزعة، وعلى رأس هذه الأنظمة كان النظام السعودي وأجهزته الدعوية السلفية. السعودية كانت إيجابية جداً مع تبني هذا الدور في المنطقة؛ وأخذت تدعم حركات التطرف؛ ليس في العراق وحسب (بل لاحقا في سوريا ودول أخرى في المنطقة بالتزامن مع أحداث الربيع العربي).

ومن أجل إيجاد أجواء مناسبة لدعم مشروعها الطائفي؛ وقفت السعودية موقفاً سلبياً من العراق، ودعمت الأطراف المضادة لوضعه الجديد لأسباب طائفية. كما وقفت بالضدّ من حزب الله في لبنان ومؤيدة سياسياً لحرب الكيان الصهيوني على لبنان في العام ٢٠٠٦. كذلك قامت بعمليات عسكرية محدودة ضد الحوثيين في اليمن (ولاحقا حرب شامله ضد اليمن).

السعودية وتوسيع التخريب نحو البحرين

* كان للسعودية ظهور أو تمظهر خاص بعد أحداث ما سُمّي بالربيع العربي، بما في ذلك في البحرين المنطقة الشرقية. أيضا كيف تقاربين ذلك ضمن المشهد العام الذي بدأ منذ ذلك الوقت؟ 

– بعد أحداث الربيع العربي؛ تبنّت السياسة السعودية دعم الفصائل المسلحه في سوريا وليبيا؛ كما أرسلت قواتٍ عسكريةً إلى جزيرة البحرين وفرض الأمر الواقع على شعبه؛ وفرْض تهم طائفية على مطالبة السلمية. وبالإضافة لكل ذلك؛ أخذت (السعودية) جانب التشدد والتضييق على مواطنيها في المنطقة الشرقية، والتهويل منهم من أجل خلق أجواء طائفية تحفّز الشباب على الإنضمام إلى التنظيمات المتطرفة والآخذة بالزيادة في تطرفها. وكان ذلك قمة دعمها للفصائل المتطرفه في سوريا (ولبنان). وهذا ما اعتبره الإيرانيون استهدافاً مباشراً لهم. ورغم أن إيران حاولت في البداية إيجاد حل سياسي للأزمة السوريه وعدم الدخول المباشر؛ إلا أن السعودية استمرت في طريق السعي إلى إسقاط النظام السوري والمقاومة اللبنانية والتجربة العراقية. ومع خسارة دول المنطقة لمساحاتٍ واسعة بيد هذه التنظيمات، وبعد أن أصبحت تشكل تهديداً مباشراً على إيران وحلفائها؛ سعت إيران الى العمل على إيجاد معادلة دولية جديدة في المنطقه أنتجت تدخلاً روسياً عسكرياً، وتغيّراً في الموقف التركي مع دعم إيراني عسكري على الأرض عجَّل في تحرير الأراضي اللبنانية وقسم كبير من الأراضي السورية. كما حقق الدعم الإيراني للجيش والحشد الشعبي العراقي انتصارات كبيرة على داعش.

ترامب يصل إلى السعودية

هزيمة السعودية تدفعها نحو إسرائيل

* مشهد تقدّم المحور الذي تقوده إيران شكّل ردود أفعال لافتة من جانب السعودية، ومن الولايات المتحدة أيضا. في أي اتجاه ستكون السعودية في ظل انهزام مشروعها الإقليمي؟

– نعم، أمام مشهد الإنتصار لسياسة إيران ومحورها، وأمام الهزيمة للمشروع الطائفي العنيف؛ شعرت أميركا وحلفاؤها أن الاستمرار في المراهنة على العنف لن يحقق الأهداف؛ فضلاً عن تنامٍ واضح في القدرات القتالية للجيوش والفصائل المدعومة إيرانياً؛ وهذا أمرٌ مقلقٌ لأميركا وحلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل الساعية لإشغال المنطقة واستهلاكها. لهذا فمن المتوقع ان تشرع السعودية سريعا بمشروع (دونالد) ترامب الهادف للمصالحه البينية بين دول الشرق الاوسط، والذي يستبطن التطبيع مع اسرائيل وادخالها للمنطقه. وهذا المشروع تسعى السعوديه فيه أيضا، وهي تظن أن ذلك سيُعيد انتشارها في دول خسرتها مثل العراق وسوريا، ولكن بطريقة الحرب الناعمة. أما إيران فتحاول كخطوة أولى تأمين المناطق الحيوية التي ساعدت في تحريرها، ومن ثم التواصل مع دول في المنطقه من أجل التحشيد لرفض مشروع ترامب التطبيعي الذي تقوده السعودية. 

السياسة السعودية: فاشلة ومزاجية 

* هل تتفقين مع القول بأن النفوذ الإيراني له عوامل عدة من ضمنها حماقة السياسة السعودية؟

 

– تعتمد السعوديه في وصناعة قرارها السياسي على المستشارين الغربيين، من سفراء “سابقين” ومدراء مراكز دراسات، بالإضافة الى العنصر المحلي من شيوخ وأمراء ومراكز قوى داخلية. هولاء بدورهم يوجهون الأوامر والنصح للسياسي السعودي التنفيذي الأدنى والأذرع السعودية العاملة في خدمة السياسة، كالمخابرات والجيش. إلا أن ترجمة هذه الأوامر إلى أفعال؛ تصطدم مع قدرات وقابليات السياسي السعودي والطاقم (العسكري والمخابراتي)، والذي يتسبب في أحيان كثيرة بفشل في التنفيذ وضعف في الأداء نتيجة ضعف القابليات والملكات. كذلك فإن تداخل مراكز القوى في الأسرة الحاكمة، ومزاجية الحاكم السعودي وضغطه الدائم للحصول على مكاسب سياسية سريعة؛ يعرض العمل السياسي في الغالب للفشل. هذه العوامل جعلت صورة السياسة السعودية فاشلة، وتمتاز بالمزاجية التي تفتقر للديمومة.

441

* في المقابل، كيف تصفين السياسة الإيرانية وعوامل نجاحها؟ 

– يحرص السياسي الايراني على التواصل العلمي والثقافي، ومتابعة النماذج الدولية المستقرة وغير المستقرة، ويعمل على فهمها وتشخيص عناصر التقدم والتعثر فيها. هذه المواكبة سهّلت على الطبقة السياسية الإيرانية فهم السياسة السعوديه باعتبارها “تجربة متعثرة”، ويشوبها الخلل والقصور،  مما جعل الإيراني ينتفع كثيرا من الخلل السعودي ويسخر الأخطاء لمصلحته. فضلا عن ذلك، فإن إيران لم تغفل عن دور السعودية في تقويض نظام الجمهورية الإسلامية ومنذ العام ١٩٨٠ لذلك فإن حراكها السياسي خاضع لمتابعة إيرانية دقيقة، كونه يدخل في حسابات الأمن القومي.

 

مجلس التعاون وعقبة عُمان والكويت 

* ما مستقبل مجلس التعاون الخليجي في رأيك في ظل هذه التحديات التي تحيط بأكبر دوله؟

 – أسست زيارة ترامب الأخيرة (مايو ٢٠١٧) إلى السعودية لبداية شروع الولايات المتحدة في إستراتيجيتها الجديدة. إستراتيجية تقوم على التهدئة والتطبيع البيني مع إسرائيل تجارياً وثقافياً، ودمج الكيان الصهيوني مع محيطه، واحتواء الأطراف المناهضة والممانعة له من خلال غزو اقتصادي ناعم قد ينتج خرقا وتفتيتا مستقبليا. وكان اختيار الرياض نابع لما تمتلكه من مكانه في محيطها تُمكنها من تنفيذ هذه الإستراتيجية، بالإضافة لقدرتها على حثّ الدول الواقعه في فلكها السياسي للعمل معها وفق نفس هذا التوجه الجديد.   

ومن المؤكد ان مجلس التعاون الخليجي هو أول منطقة سياسية ستفكر السعودية في التحرك من خلالها. إلا إن داخل هذا مجلس يبرز تحديان كبيران للسعودية في السنوات الماضية. الأول يتمثل بسلطنة عمان، التي تمتاز سياستها الحيادية ورفض الإملاء. والذي ساعد عمان على تنمية هذه السياسة، هو بُعدها عن الدول الموثرة، بالإضافه إلى نسيج السلطنة المتجانس الذي صعّب على السعودية إحداث خرق اجتماعي فيه واستمالة نظامها. أما العقبة الأخرى؛ فتتمثل بالدور الكويتي الذي يحاول أن يحذو حذو سلطنة عمان – على الأقل أميرياً-  في قضية مدّ خطوط متساوية مع جميع دول المنطقة. إلا أن النسيج الاجتماعي الكويتي يساعد السعودية على إحداث تأثير ضاغط على قرارها السياسي، فضلا عن وقوع الكويت في مكان مفصلي في منطقة الشرق الأوسط يصعب عليها الحياد التام. لكن مع ذلك لا أتوقع من عمان والكويت قبول التبني السعودي.

 الخلاصة، لا أعتقد أن مجلس التعاون الخليجي سيكون غطاءا فعالا للسياسة السعودية في المستقبل القريب، خشية أن تجد السعوديه نفسها أمام معارضة تنتج حالة من عدم الاتفاق، وتجعل صورة السعودية مهزوزة أكثر. وشخصيا، أرجّح استعانة السعودية بالإمارات والبحرين فقط بديلا عن مجلس التعاون.

الأزمة الخليجية: خلاف أسري في الأدوار

* في هذا السياق، ماذا عن الأزمة الخليجية مع دولة قطر؟ هل تجدينها أزمة قابلة للتصعيد حتى الانفجار؟ 

– الخلاف السعودي القطري الذي برز بعد زيارة ترامب للسعودية؛ لا يعدو كونه خلافا أسريا بين العوائل الحاكمه، نتيجة المنافسه على أخذ الدور المحوري في الإستراتيجية الأمريكية. إذ تسعى قطر إلى أخذ حصة بنفس الثقل الذي نالته أثناء المرحلة الماضية التي دعمت فيها التصعيد الطائفي والحركات الإرهابيه المتطرفة. أما سبب عدم الحسم الأمريكي لإصلاح هذا الخلاف الخليجي؛ فمردّه أن أمريكا تعتبره ورقة ضاغطة من أجل ابتزاز السعودية، وحثّها للعمل بضعف طاقتها أو أن يكون الخلاف ورقه ضاغطة على البلدين معها، من أجل تنفيذ أسرع وأوسع لإستراتيجة التطبيع مع إسرائيل.

وأمام هذا المشهد؛ أعتقد أن دور مجلس التعاون سيكون مجمّداً إلى حد كبير، كما لا أتوقع تطوّرا في الخلافات في الفترة القادمة بحكم الإستراتيجية الأمريكيه القائمة على التهدئة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى