إقتصاد

خفض التصنيف الإئتماني للبحرين…الأسباب والتوقعات والحلول

من المنامه-البحرين اليوم

يتواصل مسلسل خفض التصنيف الإئتماني للبحرين الذي لم يتوقف منذ اندلاع الحراك الشعبي في البحرين في فبراير من العام 2011. وفي آخر حلقة في هذا المسلسل أعلنت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني، مطلع شهر مارس الجاري عن عن خفض التصنيف الائتماني للبحرين من “BB+” إلى ”-BB“ مع نظرة مستقبلية ”مستقرة“. وأما اهمية هذا التصنيف فتنبع من أنه يمثل درجة تُظهر حكم وكالات التصنيف الائتماني العالمية على مدى قدرة دولة أو مؤسسة ما على سداد ديونها، فالدولة أو الشركة التي ينخفض تصنيفها الإئتماني يصبح من الصعب عليها الحصول على قروض جديدة إلا وفقا لشروط قاسية تتمثل بزيادة الأرباح على الديون.

الأسباب

وأما أسباب هذا الخفض الجديد فأرجعتها الوكالة بشكل واضح إلى التوترات التي تشهدها البحرين والمنطقة، موضحة بهذا الخصوص بأن ”التصدعات السياسية، داخليا وإقليميا، ستظل مصدر توتر في البحرين“ وهو ما أدى الى الإنعكاس على التصنيف الجديد للوكالة، بالإضافة إلى عدم تحديد الحكومة إستراتيجية واضحة متوسطة الأجل لمعالجة العجز الكبير، بالإضافة إلى إن حكومة البحرين لم تعلن حتى الآن إستراتيجية واضحة لمعالجة ارتفاع مستويات العجز في المدى المتوسط”، مع غياب الوضوح بشأن جدول زمني نحو وضع هذه الإستراتيجية.

وأما بشأن السبب الأول فأشار التقرير إلى التوترات داخل البلاد و المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، إذ اعتبرت الوكالة أن انسداد آفاق الحل السياسي في البحرين أدى إلى زيادة التوترات، مشيرة إلى أن عدم التوصل إلى ”مصالحة بين الحكومة والمعارضة التي يغلب عليها الشيعة أدى إلى وقوع حوادث عنف متقطعة“. ولفتت فيتش بشكل خاص إلى حظر جماعتي المعارضة الرئيسيتين في البلاد(الوفاق، ووعد) واستمرار الموقف المتشدد ضد بعض أفراد المعارضة والقادة الشيعة.

وفيما يتعلق بسياسات الحكومة الإقتصادية لخفض العجر؛ أوضحت “فيتش” أن النهج التدريجي لخفض العجز وعدم وجود إستراتيجية مالية متوسطة الأجل جزئيا“ يعكس صعوبة بناء توافق في الآراء بشأن الحاجة الماسة إلى ضبط أوضاع المالية العامة“. الوكالة أكّدت أن الإجراءات الحكومة التقشفية لم تنجح في خفض الدين العام، مشيرة إلى تنفيذ الحكومة لعدد من التدابير لزيادة الإيرادات وتقليص الإنفاق، بما في ذلك ضرائب فرضتها نهاية العام الماضي، ورفع أسعار الوقود في يناير الماضي. إلا أن اجمالي الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفع إلى 81.5٪  العام الماضي، متوقعة ارتفاعه الى فوق 100٪ على المدى المتوسط.

التوقعات

التقرير أشار إلى تجاوز الدين المحلي العام مستوى 90 بالمائة كنسبة للناتج المحلي الإجمالي في 2019، ليستمر في التصاعد حتى يتجاوز نسبة 100 بالمائة بحلول 2023، متوقعة أن يرتفع الدين كنسبة مئوية من الإيرادات الحكومية إلى 540 في المائة في عام 2019، وهو من أعلى المعدلات بين السندات السيادية في “فيتش”. وعلى صعيد آخر أوضح خبراء “فيتش” أن المزيد من الدعم المادي من دول مجلس التعاون الخليجي سيكون مقبولا في حالة عدم الاستقرار السياسي أو المالي أو المالي الشديد، نظرا لصغر حجم البحرين وأهميتها الإستراتيجية. لكن مراقبين أشاروا إلى المزيد من رهن سيادة البلاد في أيدي الدول الإقليمية وخاصة السعودية والإمارات اللتان أصبحتا تتحكمان في القرار السيادي في البحرين نتيجة لتدخلهما العسكري في البلاد وللدعم الإقتصادي الذي تقدماه للسلطات الحاكمة في البحرين.

كما توقع التقرير أن تفرض السلطات المزيد من الضرائب. ولا يبدو بحسب “فيتش” أن ارتفاع أسعار النفط سينعكس كثيرا على تخفيض العجز، لافتة إلى أن ارتفاع تكاليف الفائدة أدى إلى تآكل ما يزيد قليلا عن نصف الوفورات في الإنفاق الأساسي الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، إذ ارتفعت تكاليف الفائدة إلى 21.5٪ من الإيرادات، ثلاث مرات أكبر من النسبة في عام 2014. وفيما تسعى السلطات لفرض المزيد من الإجراءات التقشفية لمعالجة العجز في الموازنة؛ فإن تلك التدابير التقشفية تترك آثارا كارثية على الغالبية البحرانية التي تعاني من سياسات التهميش منذ عقود، حيث تتفشى في صفوفها البطالة مع نقص في السكن.

الحلول

ورأت الوكالة أن واحدا من العوامل الرئيسية التي قد تقود إلى تصنيف إيجابي للبحرين هو حل سياسي واسع القبول للتوترات السياسية الداخلية، بالإضافة إلى تضييق العجز في الموازنة بما يتسق مع وصول نسبة الدين العام للناتج الإجمالي المحلي إلى أقصاها في المدى المتوسط. لكن السلطات لاتبدو في وارد حل الأزمة السياسية في البلاد، فهي تصر على المضي قدما في نهجها لقمع المعارضة السياسية بالرغم من أن هذا النهج أدى إلى زيادة الإنفاق العسكري والأمني رغم العجز الكبير في موازنة العام الماضي.

فقد مضت السلطات قدما في صفقة بأربعة مليار دولار لشراء طائرات مقاتله من الولايات المتحدة. كما وأن السلطات ليست بصدد اتخاذ إجراءات عملية لخفض العجز وتقليص الدين العام، وذلك عبر مكافحة فساد العائلة الحاكمة التي تهيمن على معظم مقدرات البلاد الإقتصادية، خاصة وأن البحرين احتلت المرتبة 103 على مؤشر الشفافية الدولية لتقف في مقدمة دول الخليج العربية على صعيد الفساد المالي والإداري.

لكل ذلك يرسم مختصون صورة قاتمة لمستقبل الوضع الإقتصادي في البلاد بالرغم من النظرة المستقبلية “المستقرة” التي توقعتها “فيتش”، لأن السلطات ليست بصدد وقف هذا التدهور عبر حل الأزمة السياسية ومحاربة الفساد المالي والإداري وتقليل الإنفاق العسكري والتوقف عن تصعيد التوترات في المنطقة واخيرا وقف عمليات التجنيس السياسي التي تستنزف موارد الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى