سجن جوالمنامة

الشاب المطارد المرحوم خليل إبراهيم عيد: هكذا ينتقم آل خليفة من شعب البحرين

البحرين اليوم – (خاص)

لا شيء يمكن أن يرسم حكاية الشّاب المطارد المرحوم خليل إبراهيم عيد؛ إلا علامة التفجُّع والمُصاب على هذا الشاب الذي ظل في سلسلة مستمرة من المعاناة والألم، حتّى توفي في ١٢ سبتمبر ٢٠١٦م، الذي صادف عيد الأضحى.

الأهالي في بلدة كرزكان يعرفون خليل البالغ من العمر ٢٤ عاما. يصفه الجميع بأنه “محبوب لدى الناس، بسيط في تعامله”، كان دائم الابتسامة التي يتلقّاها الناسُ كلما رأواه قادما، أو عابرا. مع حكايات الغربة والمطاردة في كربلاء، ومعاناة مسلم بن عقيل وهو يجد الأبواب المغلقة أمامه بعد أن اشتعلت الخيانة في الكوفة؛ يستحضر البحرانيون قصص المطاردة التي تلاحق جموعا من الشبان الذين رفضوا الخنوع لآل خليفة، والاستسلام للموت بين يدي المرتزقة. يتذكر الأهالي أعدادا كبيرة من الشباب الذين لا يلتقون بأهلهم، ولا يعرفون نوما هانئا، ولا سقفا آمنة. تطاردهم العيونُ الوقحة في كل مكان، ولكنهم لا يأهبون، ويصرون على الالتصاق بالساحات وبأوجاع الناس، رغم وجعهم والخطر الذي يحدق بهم كلّ لحظة.

الشوزن في العين: وجع الألم والتشرد
المشهد يبدو أكثر التحاما مع الفقيد خليل عيد. لم يكن مؤمنا بقضية شعبه فحسب، وما كان أحد أبطال الميادين والجنود المجهولين في الساحات؛ ولكنه كان يحمل في عينه وجسمه آلاما تسبّبت بها جرائم آل خليفة ومرتزقتهم.

في العام ٢٠١٢م؛ أُصيب خليل في عينه اليمنى برصاص الشوزن. الجرح كان عميقا، والآلام خطفت منه النوم. إلا أن الخشية من اعتقاله في حال مراجعته للمستشفى؛ منعته من المراجعة الطبية في أول الأمر، حيث كان يُفترض أن يجري عملية جراحية عاجلة في حينه. ولكن، وبعد طول معاناة وألم لا يهدأ؛ قرر خليل إجراء العملية، إلا أن النجاح كان بعيدا عنها بسبب تأخُّر الوقت. وقد تأثرت شبكية العين بشكل كبير بسبب التمزق، وأصبح خليل لا يميز بها بين الأشياء، وظل الوجع ملازما لعينه بعد العملية.

في العام نفسه، وبعد الإصابة في عينه، تعرض خليل لاعتداء وحشي من القوات الخليفية التي ألقت القبض عليه في الشارع، واعتدت عليه بالضرب المبرح في كل أجزاء جسمه وباستعمال الأيدي والأرجل والهراوات، وتركته مرميا في الشارع والدماء تتقطر منه عدة ساعات، وقد فقد الوعي بما حوله. خضع خليل للعلاج أسبوعا كاملا لإزالة آثار هذا الاعتداء الذي ظل محفورا في جسمه وطابعا عليه ألوان التورم والوحشية.

المداهمات ومحاولة قتله في سيارته
بعد أول مداهمة لمنزله في ١٥ يونيو ٢٠١٣؛ اضطر خليل للغياب عن المنزل، ولم يكن يزور أهله إلا للحظات قليلة. ظروف الملاحقة اضطرته أيضا لعدم استعمال الهاتف إلا نادرا لإلقاء التحية على والديه وطمأنتهم على صحته. كان المنزل عرضة للمداهمات المستمرة، وفي إحداها استعانت القوات بطائرة مروحية لتطويق المنزل. تكررت المداهمات لعشرات المرات في الشهر الواحد، وكان المطلوب إلقاء القبض على خليل، وبأي شكل من الأشكال.

في إحدى المطاردات، لاحقته دورية تابعة للمخابرات الخليفية وهو يستقل السيارة. المطاردة التي شاركت فيها مركبة عسكرية انتهت بصدم سيارة خليل بطريقة قاتلة، ولكنه استطاع الفرار من أيدي المرتزقة بأعجوبة بعد أن صودرت أغراضه الشخصية التي كانت في السيارة.

كانت الأجهزة في حال من اليأس من القبض على خليل. وقد صدر حكم ببراءته من إحدى القضايا السياسية في العام ٢٠١٤م، إلا أن الأجهزة لم تنته منه، وظلت تستهدفه على الدوام.

التشرد.. وطلب العلم
كان من اللافت أن معاناة التشرد والمرض لم تستطع النيل من عيون خليل التي تبحث عن العلم والمعرفة. فقد التحق بأحد المعاهد الذي حافظ على المداومة عليه، حبا في العلم ورغبة في تطوير نفسه. وفي إحدى المرات وهو في طريقه نحو المعهد، تم توقيفه في نقطة تفتيش مفاجئة، وكان عليها الجلاد المعروف تركي الماجد الذي تلقى خليلا بالشتم والتهديد، وأخبره بأن حكم البراءة لن يكون نهاية لملاحقته “وأن مصيره سيكون السجن والتعذيب”. بعد هذا التهديد، توالت التهديدات الهاتفية على خليل، وشعر بأن حركته في مراقبة دائمة من جواسيس النظام، وهو ما اضطره مرة أخرى إلى “التشرد”، والغياب عن البيت وعدم النوم فيه.
في ٩ ديسمبر ٢٠١٤م تمت مداهمة منزل خليل، وسُلّم أهله إحضارية لتسليم نفسه. تعرض المنزل يومها للتفتيش الدقيق، كما وُجهت الإهانات والشتائم لوالده الذي طلب الإذن بالتفتيش. بعد هذا التاريخ، وعلى نحو متتال، أضحى منزل خليل عرضة للمداهمات وهتك حرماته، ولم تكن القوات يهدأ لها بال حتى الإمساك بخليل والقبض عليه.

معاناة المرض النادر: انتقام حتى الموت

csppljqwaaagxnkبعد أشهر من ذلك اليوم، بدأ تظهر على خليل علامات أخرى من المعاناة. إنه المرض النادر المعروف باسم: “فقر الدم اللا تنسجي”. لم يكن خليل قادرا على مراجعة المستشفى بسبب المطاردة، وهو ما أدى إلى اشتداد حالته الصحية وتفاقمها على نحو خطير.

المرض الذي أُصيب به خليل يظل واحدا من الآثار الدامغة على المعاناة التي لم تتوقف عن ملاحقته. فهذا المرض الذي يُصطلح عليه بالإنكليزية Aplastic anemia لم يُكن يُعرَف له أسباب واضحة بالنسبة لخليل، إلا أن تعرُّضه للمواد الكيميائية السامة الناتجة عن “مسيلات الدموع”؛ قد يكون هو السبب الأرجح، حيث ظل خليل حاضرا في الساحات والتظاهرات، وتعرض خلالها لاستنشاق الغازات السامة أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة.

تدهور صحة خليل لم تسمح لوالده بالوقوف مكتوف اليدين. كان خليل يتعذب من الآلام الموجعة طيلة اليوم. لم يكن هناك من خيار غير المغامرة بنقل خليل إلى المستشفى، حيث أخذه والده إلى مستشفى ابن النفيس. إلا أن كلفة العلاج العالية، وعدم توفر الأجهزة الطبية والمختصين في مرضه؛ دفعت إدارة المستشفى بطلب نقله إلى مستشفى السلمانية. لم يتردد الوالد، وأخذ ابنه إلى هناك، غير أن الصدمة كانت أن إدارة المستشفى رفضت توفير العلاج المناسب له، واكتفت بإعطائه بعض المضادات، وكأنّ هناك منْ يريد أن ينتقم من خليل انتقاما آخر.

علمت الأجهزة الخليفية بوجود خليل في المستشفى، ولكنها وجدت بأنه لم يكن هناك أي جدوى لاعتقاله، فقد كانت زيارته ممنوعة أصلاً بسبب تدهور حالته الصحية.

في مستشفى السلمانية وجد خليل وأهله شكلا آخر من المعاناة والتشفي. ففي ٣٠ يوليو ٢٠١٥م، تلقى خليل أول جرعة منشطة، أي بعد شهر ونصف من دخوله المستشفى. إدارة المستشفى لم تكن بعيدة عن دائرة استهداف خليل، حيث حرمته من الجرعة الثانية، وادعت بأنها غير متوفرة في البحرين، وأخبرت والده بأن ابنه بحاجة شديدة إليها حتى لا يتمكن المرض منه.

والد خليل: الوفاء حتى آخر أنفاس الوطن

حمل والد خليل همّ ابنه حتى النهاية، وأصر على نقله للعلاج خارج البحرين بعد أن رأى ابنه وهو يموت ببطء بين أيديهم، دون أي اكتراث. مرت ٧ أشهر على خليل وهو ملقى على السرير الأبيض، يخرج يوما أو يومين، ثم يعود من جديد إلى المستشفى. وقد تم توفير الجرعة الثانية من العلاج في فبراير ٢٠١٦م، إلا أن حالة خليل الصحية لم تتحسسن، وكان وضعه يزداد سوءا.

صندوق المنزل لم يتوقف عن استقبال الإحضاريات التي تطلب خليلا للتحقيق. كانت التهم تتوالى عليه، كما المرض الذي بدأ يتسلل إلى جسده المرهق. كان يُراد الإمعان في الانتقام منه ومن أهله الذين لم يتخلوا عن ابنهم المطارد، والمريض. لم يكن يجد العلاج المناسب في بلاده، وظل المسؤولون يماطلون في تسفيره للخارج، وبينهم وزارة الداخلية التي امتنعت عن تجديد جواز خليل في المرة الأولى، وطلبت حضوره شخصيا، وأخبرت والده بأن ابنه ممنوع من السفر.

كان والد خليل غير راغب بالجلوس وانتظار موت ابنه، وعلى هذا النحو “البغيض”. لم يستسلم لانتقام النظام من ابنه خليل، وحمل تقاريره الطبية إلى وزارة الداخلية محاولا كسر المنع عن السفر. أيام مستمرة من هذا الإصرار حتى وافقت الوزارة على تجديد جواز سفر خليل والسماح له بالسفر، ولكن خليلا بقي محاصرا بمزيد من الانتقام والمماطلة، وكأن هناك منْ يخطط لسحب الموت إليه، وببطء شديد.

اللجنة الطبية المكلفة بتقرير سفر خليل إلى الخارج، لم تبت في الأمر إلا بعد أسبوعين من تشكيلها. في بداية يونيو ٢٠١٦م؛ توقف العلاج عن خليل، ولم يُعط الأدوية والمضادات الخاصة به وذلك بسبب عدم توفرها، وارتفاع كلفتها. لم تكن المستشفى تكترث لحالته المتدهورة باستمرار، وكل دقيقة. إصرار الوالد لم يهدأ، واستطاع بعد عام أن ينتزع حق تسفير خليل للعلاج في الخارج وذلك في ٦ أغسطس ٢٠١٦م، ولكنه فوجيء بأن هناك تغييرا في موعد السفر، وطُلب منه الانتظار!

في ٣٠ أغسطس ٢٠١٦م، وبعد إصرار غير محدود، تقرر موعد السفر في اليوم نفسه. ولكن رحلة العلاج في الخارج لم تكن خلْوا من الانتقام أيضا. فقد فوجيء الوالد بأنه لم يتم توفير سرير خاص لابنه المريض في الطائرة، ولم يُوفر كذلك كرسي متحرك للتنقل، وهو ما اضطر والده لأن يحمل خليلا مع الحقائب أثناء هبوط الطائرة في مطار الدوحة، قبل أن يتوجه إلى سنغافورة، حيث تقرر العلاج هناك. كان منظر الوالد مثيرا للمشاعر بين الناس الغرباء الذين يجهلون قصّة الانتقام التي تنوء بظهر الوالد وبجسم الولد المريض.

حينما وصل خليل إلى سنغافورة كان المرض قد سيطر عليه. قبل موعد العلاج بيوم واحد أُصيب بنزيف في الأنف، وتم إبلاغ والده بأنه في حال أراد إدخاله المستشفى فإن عليه أن يدفع تكاليف هذا اليوم، لكونه غير مشمول بتكاليف العلاج المحددة.
في سنغافورة، تفاجأ الطبيب المعالج بوضع خليل، وأخبر والده بأن وضعه “صعب جدا، وأنكم وصلتم في الوقت الضائع، والأمل ضعيف في شفائه”. كان الانتقام الممنهج بعدم معالجة خليل، والمماطلة المقصودة في تأخير تسفيره؛ كل ذلك قد حقق “هدفه” بالنسبة لآل خليفة، حيث وصل خليل إلى مرحلة “انتظار الرحمة”.

بدأ الطبيب بمحاولة العلاج، وأجرى عملية لوضع أنبوب في المجرى التنفسي لتسهيل عملية التنفس، وتم إعطاء خليل المضادات والأدوية اللازمة. ولكن “دون جدوى”.

في تاريخ ١٢ سبتمبر ٢٠١٦م انتقل خليل إلى رحمة الباريء. رحل وفي كلّ أجزاء جسمه شهاداتٌ توثّق فظاعة هذا النظام ووحشيته. مات خليل، وخرج من هذه الدنيا، ولكن روحه لا تزال ترفرف على أبناء بلدته وأهله وكل الناس الذين ضحى من أجلهم. إن روح خليل الدائمة لا تزال تحفر في السماء ظلامة هذا الشعب وصبره العظيم وهو يواجه جبروت آل يزيد وأشباه الرجال.

csvsao7wyaaw6dn

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى