مقالات

يزيد ومراسيم عاشوراء البحرين: الصورة غير مقلوبة

البحرين اليوم – (خاص)

بقلم: باقر المشهدي

كاتب متخصص في شؤون الخليج

 

ليست هناك علاقة بين حمد عيسى وعاشوراء سوى علاقة رمزية تختزلها مقولة وحيدة، وهي أن كربلاء تتجاوز التاريخ، فتعيد شخوصها بصور مختلفة. هكذا انتهى موسم عاشوراء البحرين بترسيخ صورة يزيد المعاصرة في بنية الوعي الجمعي البحراني.

التاريخ القديم يقول إن ابن زياد، وبأوامر مباشرة من حاكمه يزيد، استخدم كلّ قوة القمع والبطش والحصار الأمني لقمع تحرك الإمام الحسين، واستطاع عبر تلك القوة الجامحة والإرهاب المنظم؛ أن ينهي ذاك التحرك عبر ارتباك أكبر جريمة شهدها التاريخ العربي والإسلامي.

لا أريد هنا أن أتناول الحدث التاريخي كما هو مدوّن ومعروف لدى الكثيرين، فكربلاء ليست حدثا تاريخيا وحسب، بل هي حدث يتجاوز الزمن، ليبقي المعنى حاضرا لدى كل أفراد البشرية. فباتت كربلاء ورمزها الأعلى، الإمام الحسين، مشعلا لمقاومة الظلم والانتصار للمظلومين ومبادئ الحرية والكرامة والعزة، وفي الجهة المقابلة فإن كل الحكام الظلمة والمستبدين والمستأثرين بالخيرات يمثلون خط يزيد ورمزيته.

في البحرين؛ كانت كربلاء وشعائر عاشوراء تختزل هذا المشهد برمته، ولكن كان الحكام أقل يزيدية بدرجة ما من يزيدية الحاكم الحالي، لذا كانت مراسيم عاشوراء تمضي بسلام بعض الشيء. ربما لأن المراسيم نفسها لم تكن صريحة أيضا في إظهار رمزية كربلاء ويزيدية الحاكم وفضحه، كما فُضح يزيد وقتها، وربما لأن الحكام كانوا أقل وقاحة وأكثر حكمة من وريثهم الحالي، لكن في كل الأحوال كانت مراسيم عاشوراء ومنذ 2011 الأكثر قربا من كربلاء سنة 61 هجري، وكان الحاكم ومنذ 1999 الأكثر شبها بيزيد سنة 60 هجري.

وكما واجه الإمام الحسين ردود أفعال محبَطة وتحليلات سخيفة لاحقة أوجدها ابن زياد في الكوفة عندما خاطب العقيلة زينب: “كيف رأيت صنع الله بأخيك”؛ فكان يريد أن يقول ماذا استفدتم وماذا استفاد الحسين من حركته، وأنتم صرعى وقتلى وسبايا ومهزومين عسكريا! إنها الدعاية السياسية التي سيأخذ بها اليزيديون في كل عصر، ويتقبلها المتخاذلون أيضا. لهذا كان الرد الحسيني الزينبي صارما وقويا وباقيا كصرخة تخترق الزمن: “ما رأيت إلا جميلا”.

يزيد البحرين حاصرَ الشعائر والمراسيم الحسينية، واعتقل الخطباء على الشبهة، وأهان الشعائر الحسينية بنزع شعاراتها والتضيق على مؤسساتها لا لشيء سوى أن صرخات كربلاء وتشخصيها الدقيق كانت قد سُمعت في قصر “الصافرية”، وصوره واسمه كان عرضة للدوس بالأقدام كعلامة واضحة لمكانته الحقيقة في قلوب الناس وأفئدتهم.

الصورة المتبقية الآن يحاول البعض اختصارها في معتقلين وإغلاق مؤسسة حسينية، حسنا هي كذلك! ولكن عمق الصورة وحرارتها تبقى غير مرئية إلا لمنْ يرى جمالية كربلاء لا مأساتها، فحرقة قلب يزيد الحاكم وإحداث الارتباك في إستراتيجياته؛ هي العمق الأكثر وضوحا، فقد تلقى رسالة ناطقة أنّ قمع سبع سنوات ومظالم أكثر من 14 آلف شخص؛ لم تكسر صمود الشعب، ولم تجعل للإرجاف مكانة في قلوب الثلة الصغيرة في العدد، الكبيرة في الطموح.

المعادلة الكربلائية مثلما تتعالى على الزمن؛ فهي تتعالى على المنطق المادي للأشياء، ويزيد البحرين يدرك الرسائل الكربلائية أكثر من غيره، لأنه المعنيّ تماما بالحفاظ على خط سلفه وجده الأعلى: يزيد سنة 60 هجري.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى