تقارير

بحث تحليلي: الجذر الأعلى للشبكات الطائفية في البحرين

 

البحرين اليوم – (خاص)

تشغل المسألة الطائفية حيّزا كبيرا من تفكير المراقبين، وتكاد تكون الممارسات الطائفية هي واحدة من أهم بؤرة التمرد السياسي والاجتماعي. البعض يجادل جاهدا في إرجاع عقدة المسألة الطائفية إلى نزعات طائفية تاريخية ومذهبية، لا تنتهي جذورها إلا في مناطق مجهولة من التاريخ الإسلامي، ولعل القرن الرابع الهجري يمثل مسرحها الأبرز. وفقا لهؤلاء؛ فإن المسألة المذهبية لم تعد مذهبية بالمطلق، ولا يمكن الإدعاء بوجود مجال عقلاني يستوعب الخلافات الفكرية دون إجراء تحويلات طائفية عليها، وهذا الجذر التاريخي أسّس لبناءٍ متكامل من النزعات الطائفية الذاتية والمجتمعية، لا تحتاج الأنظمة لإنتاجه من جديد، بل إن هذه الأنظمة تتعامل مع الحالة التاريخية شأنها شأن أي طرف مذهبي.

الكثير من الباحثين والمراقبين – وهم على حق في كثير من الحالات- يُرجعون ذلك إلى أزمة الإقليم والمنطقة المشتعلة طائفيا، والتي تعيش على ما تؤججه الحروب بالوكالة التي تستعر في أكثر من بلد. فهناك أكثر من حرب، وفي أكثر من بلد، بين الأطراف الكبرى في المنطقة، والتي تتخذ الطائفية أداة من أدوات الحروب لتغطية عجز القدرات العسكرية، وعدم القدرة على إلحاق الهزيمة بالطرف المقابل. وأياً كانت وجهات النظر في تلك الحروب بالوكالة؛ فإنه إضافة إلى عبثتيها وعدم الحاجة إليها؛ فهي تعتبر سبباً في فرْز الأفراد والمجتمعات فرزا طائفيا، وهو ما يضيف قوةً وتماسكا إلى الاصطفاف السياسي والاقتتال الحربي المدمر.

 

الشبكة الخفية

 

بين التاريخ المجهول، ومعطيات الإقليم المتفجِّر بحروب الوكالة؛ ثمة مساحات لا تزال تحتاج لمزيد من التقصي والبحث، لتأخذ على عاتقها إعادة تعريف الطائفية، وبالأخص الطائفية السياسية، وبما يُخرجها من أطرها المذهبية الضيقة، وبما يتعالى بها على إستراتيجيات الحروب العسكرية وأدواتها. فكلا وجهتي النظر لا تقدِّم كثيرا حول مسؤولية الأنظمة المستبدة عن إنتاج الطائفية وصناعتها، ولتبدو الأنظمة المستبدة وكأنها “بريئة” من أغلب الممارسات الطائفية. معنى ذلك أننا بحاجة إلى مقاربة موضوعية أكثر شمولية وأكثر قدرةً على تفسير الأمور كما تجرى في الواقع.

يؤكد ذلك نوعية العلاقة ما بين الأنظمة المستبدة والسلطوية وانتشار الطائفية في مجتمعات تلك الأنظمة. فالطائفية في ظل الأنظمة السلطوية تتحول من كونها إحدى الأدوات السياسية؛ إلى جهاز خاص لخدمة أغراض السلطة، جهاز قد لا يكون مرئيا أو مدْرَجا في النظام الهيكلي للدولة وأجهزتها الإدارية، لكنه جهاز لا يقف عند حدود الممارسة الطائفية فحسب، وإنما يعمل جاهدا وبكل قوته على تقديم تبريرات لسلوك النظام الطائفي من جهة، والعمل على إطفاء الطابع الوطني والتقديسي على تلك الممارسات الطائفية من جهة أخرى.

المقاربة التي يمكن مناقشتها هنا، ترتكز على ترسيخ مفهوم “الشبكة” لفهم الطابع الرمزي للطائفية. فالطائفية لا تعني الانتماء المذهبي، كما لا تعني الإنجذاب والتعاطف الجماعي بين أفراد الطائفية أو الميل والانتصار لمواقف الطائفة أو الجماعة. يعني ذلك، ضرورة إخراج الطائفية عمّا يجرى في النقاشات المذهبية والانتماء المذهبي، كما يعني أهمية تفهُّم الجانب العاطفي والتضامني بين أفراد الطائفة، باعتباره سلوكا بشريا طبيعيا لا يدعو للإثارة.

الأقرب اذن هو التعامل مع الطائفية على أنها المعطى الطبيعي لشبكةٍ من العلاقات، تقوم على أمرين رئيسين، ومن خلالها يمكن تشخيص السلوك والممارسة الطائفية لدى الأفراد أو الأنظمة الحاكمة. الأمر الأول: منهجية فكرة إقصاء أفراد الطائفة الأخرى عن المجال العمومي للناس وعن التدبير السياسي للدولة. الأمر الثاني: إلحاق الضرر بأفراد تلك الطائفة بشكل واضح ومتعمد أيضا.

 

نموذج البحرين

 

تبدو هذه الصورة جلية وواضحة في حال البحرين، وهي بالمناسبة حال نموذجية لاختبار كلّ فرضيات الطائفية ومخرجاتها. فالمجتمع البحراني مجتمع منقسم مذهبيا إلى طائفتين هما الشيعة والسنة. والأهم أن كل طائفة تكاد تفتقد التجانس في داخلها، بما يُفقد كل طائفة صفةَ النقاء والتكتّل الذي نراه في انقسامات طائفية أخرى. ولكن يجب التذكير والإشارة هنا أن الطائفية بوصفها “شبكة مصالح”؛ لا تتطلب انقساما اجتماعيا أو توزيعا مذهبيا بين أفراد المجتمع، فمثلا يمكن أن تُفرض الطائفية على المجتمعات المتجانسة مذهبيا أو دينيا، بحيث يتم توجيه الرأي العام في المجتمع ناحية دين أو مذهب معين واعتباره عدوا بصفته الدينية، حتى وإن كان بعيدا جغرافيا، على أن يتم تصويره على أنه “العدو” الذي يستحق الإقصاء والإزدراء والكراهية. فالجانب الأساسي في الطائفية، والذي يكثّفها جوهريا؛ هو تغلغل شبكة المصالح التي تخلقها الأنظمة المستبدة وتقوّيها من أجل توظيفها سياسيا، سواء في الداخل أم الخارج.

وفق هذا الإطار يمكن إعادة تشكيل المسألة الطائفية في البحرين، واعتبار التحريض الطائفي صناعة خالصة تقودها شبكة منتفعة من قبل جهاز متوغل في بنية النظام السياسي، نظرا لكونه نظاما سلطويا. وهذا الجهاز يمثل أحد الأجهزة التي يدير بها النظام معاركه السياسية، شأنه شأن الأجهزة الأمنية أو أجهزة العلاقات العامة. الفارق هنا أن هذا الجهاز المعني بنسج شبكة المصالح الطائفية؛ يبقى جهازا غير مرئي وغير مدرَج في البنية الهيكلية للدولة. الامر الذي يشير إلى أهمية التفريق بين المذهبية وصراعها المحتمل، وبين الطائفية التي تُعبِّر أساسا عن مصالح النظام في تفضيل الإقصاء والكراهية أو الإضرار بالطوائف المعارضة.

ونتيجة أولية للمقاربة التي عالجت فيها الطائفية بما هي “شبكة مصالح”؛ لا يمكن القول بأن المطالبة بحقوق الجماعات الشيعية هي مطالبة طائفية، أو أن تلك المطالبات يجب عليها أخذ الإذن من الجماعات الأخرى والتشارُك معها لكي تكون ذات خطاب وطني شامل. فهناك منطقتان تعملان بشكل متواز: هما المنطقة الوطنية العامة، والمنطقة الخاصة، ويمكن لهما أن يتقاطعا في الحدود الدينا من الحقوق والمصالح والمطالب التي تستهدف تفكيك شبكة المصالح الطائفية.

 

تشكيل الطائفية في البحرين

 

بالعودة إلى أهم الأعمال البحثية التي درست حالة الصراع داخل مجتمع البحرين؛ ثمة ما يمكن اعتباره إجماعا على أن جذور الصراع في العصر الحديث تنطلق من حالة التهميش والإقصاء والكراهية المتصاعدة ضد الجماعات الشيعية في البحرين. وقد لا نملك أدلة مباشرة على تأصُّل هذا السلوك قبل ١٨٦٩م انطلاقا من غياب الاستقرار السياسي في البحرين، وعدم وجود جهاز مركزي يدير الدولة بشكل مسؤول، لكن ذلك اختلف مع لحظة الاستقرار السياسي وتشكيل مركزية ما لنظام الحكم بفعل المساعدة البريطانية في القضاء على حكم محمد الخليفة لصالح نجل أخيه عيسى بن علي الخليفة، الذي تم تنصيبه حاكما على البحرين في ١٨٦٩م وعمره ١٩ عاما بعد أن كان لاجئا في قطر.

الوثائق البريطانية حاولت “إظهار” الأمر على أنه “تسوية سياسية” بطابع عسكري أدت لأن يؤخذ رأي الأهالي في البحرين لإعادة الحكم لعائلة الخليفة، وتنصيب عيسى بن علي حاكما. ونقول إن الأمر في تلك الوثائق هو: “إظهار”؛ لأن السلطات البريطانية شككت في هذه الدعوى عندما تطلبت حاجتها أن تعزل عيسى بن علي في ١٩٢٣م، وكان الأخير يحتج بأنه تولى الحكم عبر مشاورات أهلية وبيعة مجتمعية. وبالتالي؛ فإن إقحام الرضا الشعبي في مسألة ترسيخ حكم آل خليفة مسألة لا يوجد معها دليل موضوعي، بل هي جزء من الحكايات الأسطورية التي سعت عائلة آل خليفة لترويجها باعتبارها “حقائق تاريخية”.

 

 

المقاطعات والتحالف القبلي

 

وتظهر إحدى الوثائق التاريخية التي تعود لسنة ١٩٢٣ أن حكم عيسى بن علي الخليفة كان مرضيا في بدايات أمره، وأن الأهالي والسكان الشيعة وجدوا بداية حكمه فرصة للخروج من دوامة الحرب الأهلية التي استمرت حتى مقتل علي بن خليفة والد عيسى بن علي في ١٨٦٧. وتؤكد العريضة التي رفعها الشيعة للمعتمد البريطاني أن تكاثر أبناء الحاكم وأبناء عمومته وتنازعهم على امتلاك الثروات والخيرات؛ شجّع على ظهور المظالم وإلحاق الأذى بالسكان والأهالي.

ويمكن إضافة عاملين رئيسين ساهما في تأسيس الشبكة الطائفية، أولهما ضعف شخصية الحاكم عيسى بن علي،وخضوعه لعمه أحمد بن خليفة في إدارة شئون البلاد حتى وفاته في ١٨٨٨م، حيث كان يملك حوالي نصف الثروات، وقد حدث أن أُثيرت مشاكل وراثته، فكانت رؤية عيسى بن علي هي تقسيم البحرين إلى مقاطعات يديرها أبناؤه وأبناء أخوته لكي يتخلص من إشكالية تركة عمه المالية. العنصر الثاني الذي لا يقل أهمية هو خضوعه أيضا لأنظمة التحالف القبلي مع القبائل الوافدة على البحرين، مثل قبيلة الدواسر التي استوطنت البحرين في ١٨٤٦م تقريبا وقبائل النعيم الذي كانوا يعملون كمحاربين مدفوعي الأجر لدى عيسى بن علي، وهذا جعل من بعض تلك القبائل أقوى من الحاكم نفسه، ولهذا كانوا يرون أنفسهم فوق الجميع، ولا يحق لأحد منعهم من فعل ما يشاؤون.

 

مقاومة مظالم الشيعة

 

نستطيع هنا اعتبار هذه القضايا بمثابة الجذور المؤسسة لبناء الشبكة الطائفية التي ستقاوِم أي تحرك تقوم به الجماعات الشيعية المظلومة، لأن أي إصلاح في بنية توزيع الثروات ستطال نصيبها من السلطة والثروة. وهذا ما ظهر فعليا في ١٩٢٣ عندما تحرك الشيعة للمطالبة برفع المظالم اللاحقة بهم، والمطالبة بمعاملتهم كمواطنين بدلا من كونهم رعايا غير معترف بهم. إذ تؤكد الوثائق البريطانية إلى تعرُّض القرى الشيعية لهجمات قام بها أطراف مدعومة من قبل بعض القبائل، ومن قبل أطراف في العائلة الحاكمة، وقُتل في تلك الهجمات العديد من الشيعة، وحُرقت منازل بعضهم وذلك لتخويفهم ومنعهم من تأييد الإصلاحات الإدارية التي كانت بريطانيا تعتزم إدخالها على نظام الحكم في الحكم، ومن بينها المساواة في فرض الضرائب وتوحيد القانون والمحاكم ومنع أعمال السخرة والضرائب المفروضة على الشيعة.

بالنظر إلى طبيعة هذه الجماعات الرافضة للإصلاح، وتحالفاتها السياسية والاجتماعية؛ سنجد أننا أمام شبكة من المصالح تم بناؤها منذ عشرات السنين وتم توظيفها في اللحظات التاريخية المفصلية التي كانت البحرين تمر بها آنذاك. فرغم حالة التسالم على مركزية حكم عيسى بن علي والتسليم بولاية العهد لابنه حمد؛ إلا أن بنية الدولة فعليا كانت بيد أخيه عبد الله بن عيسى والمقرَّب جدا من والده الذي كان يخضع لتأثير زوجته عائشة،والدة عبد الله بن عيسى. فهناك بنية ظاهرية يديرها الحاكم وولي عهده، وهناك بنية أعمق وأشد تأثيرا يديرها كلٌّ من عبد الله بن عيسى وأمه عائشة. هذه الشبكة سوف تستمر طوال التاريخ السياسي الحديث في البحرين، متغيرة في شخوصها وأفرادها، ولكنها ثابتة في أهدافها ومحورها.

 

ضمان التفوق الطائفي

 

كان اقتصاد البحرين قديما موزّعا بين اقتصاد البحر، ممثلا في استخراج اللؤلؤ وبيعه، أو التجارة الخارجية مع المناطق القريبة، وما بين اقتصاد الأرض ممثلا في الزراعة والتجارة المتجزئة داخليا. بفعل آليات السيطرة آنذاك؛ تقلّص اقتصاد السكان المحليين في اقتصاد البحرين لصالح القبائل القادمة، وأصبح الغوص في أغلبه يُدار من قبل الجماعات المتحالفة مع الحاكم. أما اقتصاد الأرض الزراعي فقد تعرّض هو الآخر لنوع من الحصار والمصادرة للأراضي، واستبدال المُلاّك الأصليون بملاّك آخرين استوطنو الجزيرة. أيا تكن حيثيات تلك السيطرة والمدى الزمني التي استغرقته وكيف؛ فإن النتيجة التي وصلت إليها الطائفة الشيعية عند مطلع القرن العشرين كما يصفها “لوريمر” هي أقرب إلى حالة “عبيد الأرض”.

كان الاقتصاد بجزئية البحري والأرضي عنصرا مهما في خلق الشبكة الطائفية، وترسيخ نفوذها. فعلى سبيل المثال، كانت ضرائب الغوص ضئيلة جدا، بل شبه منعدمة لدى بعض القبائل العاملة في تلك الصنعة، مثل الدواسر، مقابل أن محصول الحاكم من ضرائب اقتصاد الأرض كانت عالية جدا، بل إن مدخول الحاكم أساسا كان يعتمد بصورة أساسية على ضرائب الجمارك وضرائب النخيل وصيد الأسماك.

مكّن هذا الوضع الأفراد المتحالفين مع المركز من حيازتهم على فرص استثمارية أوسع، وكذلك على فرص لتوسيع التجارة غير متاحة للآخرين، وبالتالي أصبحنا أمام عملية إقصاء ممنهجة وإنْ كانت بدائية وعفوية. لكننا نعرف أن التفوق الاقتصادي يعني ظهور طبقة من التجار مرتبطة بمركز الحكم، وتسعى دوماً لضمان مصالحها التجارية وتفوّقها.

وإذا ما عدنا إلى بعض المقاطع التاريخية؛ نجد ان مطالب الجماعات الشيعية كانت بدائية في أول انطلاقها، حسب العرائض السياسية التي كتبها مجموعة من الشيعة وتم رفعها للمقيم البريطاني تايلفور عندما زار البحرين في نهاية ١٩٢٢. المطالب كانت عبارة عن مناشدة برفع أعمال السخرة، والمطالبة بوجود محكمة عامة، والمساواة في الضرائب المفروضة. سرعان ما تلاقت تطلعات الجماعات الشيعية مع إجراءات الإدارة البريطانية التي كانت تسعى كذلك إلى فرض إصلاحات إدارية تتلاءم واقتصاد السوق الجديد بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. وبقيت هذه المطالب متواضعة تبحث عن قوة تدعمها وتضمن تطبيقها.

 

البعد السعودي في الهيمنة الطائفية

 

ليس بعيدا عن هذا السياق – وفي الظرف التاريخي نفسه – ما دار بين المعتمد البريطاني نوكس وابن سعود في ١٩٢٣م، حيث كان الأخير يتخوف من إعادة تشكيل نسق السلطة في البحرين، خصوصا بعد قرار بريطانيا بعزل عيسى بن علي وتنصيب نجله حمد. وقد بعث نوكس برسالة إلى ابن سعود قال له فيها إن عملية الإصلاح سوف تضمن تفوق الجانب السني على الجانب الشيعي، وأنه من غير الممكن الالتزام حرفيا بالمساوة في الحقوق التي يطالب بها البحارنة.

رغم قناعة البريطانيين بوقوع التمييز ضد الشيعة، وأن الأمور التي تجرى عليها السياسة في البحرين غير مقبولة دوليا؛ إلا أنهم تعهدوا سرا وعلانية بالحفاظ على تفوق العائلة الحاكمة، ومن خلفها الوجود السني في البحرين. فقبل عزل حاكم البحرين عيسى بن علي سنة ١٩٢٣؛ أرسل الملك سعود بن عبد العزيز إلى المقيم البريطاني ترنفور رسالة يسأل فيها عن حقيقة الإصلاحات، ما ستؤول إليه أوضاع الشيعة في البحرين، وانعكاس ذلك على الشيعة في القطيف و الإحساء. وكان الجواب حاسما جدا من قبل ترنفور، حيث أكد أن الإصلاحات الإدارية سوف تحافظ على الوجود السني، وتفوُّق العائلة الحاكمة على سائر الفئات الاجتماعية. وعندما تم عزل الحاكم بحضور ممثلين عن الطوائف والأعيان سنة ١٩٢٣م؛ توجّه المقيم البريطاني إلى الأعيان الشيعة، وحذّرهم من الخروج على الحاكم الجديد، أو المطالبة بأية إصلاحات أخرى، خصوصا فيما يتعلق بمعاملتهم سواسية مع أفراد العائلة الحاكمة.

منذ ذالك الحين، والشيعة يبحثون لهم عن موطيء قدم في مؤسسات الدولة التي باتت مغلقة على منْ دخلها يوم أن دخل آل خليفة البحرين سنة ١٧٨٢م.

لقد جاهد ابن سعود كثيرا من أجل إبقاء أوضاع البحرين السياسية والاجتماعية كما هي، وعمد بطريقة مباشرة إلى مقابلة رؤساء قبيلة الدواسر وبعض الأعيان والإيعاز إليهم بالضغط على الإدارة البريطانية لإيقاف عملية الإصلاح المسانَدة من قبل البحارنه “الشيعة”، وتشير الوثائق البريطانية إلى أن ابن سعود عرَض على الدواسر إقامة منطقة لهم في الدمام والهجرة إليها، في حال تم تطبيق الإصلاحات، وفيما لم تنجح الهجمات العدائية التي كانت تُوجَّه للقرى الشيعية.

وبالفعل، انتقل الدواسر من البحرين إلى الدمام على أمل أن يكون ابن سعود مُعينا لهم في العودة إلى البحرين مرة أخرى، وبأقوى مما كانوا. إلا أن الميجر ديلي كان صارما في هذا الموضوع انتصارا للحاكم حمد بن عيسى، وبغضا في عيسى بن علي. أيا تكن تفاصيل هذا الامر؛ فإن دخول الجانب السعودي في توسيع شبكة المصالح القائمة، ومحاولة الإبقاء عليها وتقويتها؛ أعطى لهذه الشبكة زخما قويا تمثّل فيما يُعرف بـ”فتنة النجاة والإيرانيين”، واضطراب الأوضاع الداخلية بصورة مخيفة، خصوصا وأن القصيبي – ممثل ابن سعود في البحرين – كان يتصرف كأنه الحاكم الفعلي في البحرين.

وهكذا، وبدلا من أن تؤدي الإصلاحات الإدارية التي فُرضت بالقوة العسكرية ومحاصَرة مدينة المنامة بثلاث سفن حربية – إلى المساواة بين الجماعات وتقليص نفوذ الشبكات المتصالحة مع الاستبداد؛ فقد قويت تلك الشبكات وأصبحت مدعومة خارجيا من قبل طرف تخشاه الأطراف الخليجية. وصار من غير الممكن الحديث عن دولة مدنية حديثة إلا من خلال استرضاء الجهاز الخفي الذي يُحرك شبكته وقتما شاء.

سنرى بعد هذا التاريخ أن المطالب الإصلاحية ستبقى معلقة، وغير مقبولة من أطراف عديدة، أبرزهم النخبة الحاكمة، وبعدها الشبكات المرتبطة معها بعلاقات ومصاهرات قرابية، ثم الأطراف الإقليمية والأطراف الدولية.

كما يمكن من الآن النظر إلى الممارسات الطائفية (الإقصاء/ الضرر) على أنها نتاج جهاز أعمق يقع في صلب الدولة، يدير تلك الممارسات بطريقة خفية لمحاولة جعلها ممارسات خارجة عن السيطرة ومنفلتة من قبل أفراد قلائل. كما سنرى أن هذا الجهاز الخفي، سينتج خطابا موازيا قائما على إدعاء الوطنية من أجل تبرير الطائفية، بل والتعامل مع تلك الممارسات على أنها تعكس الطابع الوطني للدولة.

 

الاستنتاج

 

المشكلة التي يثيرها مثل هذا التعامل، لا تنحصر في تهميش المواطنين الشيعة، وممارسة التمييز في حقهم كمواطنين فحسب، فهناك وعلى تخوم هذه الإستراتيجية؛ تُثار الفتنة الطائفية والشحن الممزوج بالكراهية تجاه فئات ومكونات المجتمع من أجل محاولة تقسيمه على أساس طائفي. صحيح أن أفرادا من الطائفة السنية يحظون بمثل هذا التفضيل، ولكن من الخطأ اعتبار أن الطائفة السنية قريبة جدا من نظام الحكم أو من التنظيم السري، لأن نظرة فاحصة على برامج التطهير الطائفي تُظهر حقيقة ما كان يجرى، وهو بناء الدولة على قاعدة الزبانية السياسية، أي تفضيل وتقريب منْ يستطيع خدمة التنظيم وأذرعه المختلفة.

المواجهة التي تنتظر مثل تلك البرامج، حتى وإن كانت سياسية، إلا أن الأهم فيها هو مواجهة خطر الانقسام الطائفي وشيوع الكراهية بين الطوائف، أو الانطلاق من مبادئ التنظيم السري نفسه في التعامل مع الطوائف المختلفة. فهذا التنظيم لا ينظر إلى أهل السنة على أنهم مقربون، بل ينظر إلى منْ لديه الاستعداد لتقديم الخدمة والعبودية والانخراط في سلك الزبائنية على أنهم هم الفئات العليا في الدولة وليس الانتماء الطائفي. ومن أجل تمرير هذا السلوك المريع يحتمي بالطائفة ويقسّم المجتمع طائفيا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى