مقالاتنادر المتروك

خياراتُ الغربة: شمعة وظلام

 

نادر المتروك - كاتب صحافي - بيروت
نادر المتروك – كاتب صحافي – بيروت

البحرين اليوم – (خاص)

مواطنٌ بحرانيّ يضطّر للهروبِ من مكانٍ لآخر، ويُلاحقه “الاضطرارُ” – كأنّه وحشٌ تحرّر من الجحيم – ليعملَ في الغربةِ “حمّالاً” لأكياس الطّحين، من السابعة صباحاً حتّى السّابعة مساءاً، بمبلغ ٩٠ ديناراً. قبل الغروب، وقبل أن يتناولَ خبزه المكسور، يذهبُ إلى أقرب ما يمكن من “بحر إيجة”، ليسأله عن الخيارات الممكنة.

في أيّ عملٍ روائيّ خالد، تبدأ الأحداثُ بفاجعةٍ مدويّة، أو بتحوّلٍ دراميّ يُحرّك الرّكود، مثل إعلان عمامةٍ مخضرمة “الاعتزال” من السّياسة، أو الانتقال من ترنُّح المعارضة إلى مغريات السّلطة. يمكن أن يُضاف إلى هذه الدّراما مشهدٌ محنّط لأحدهم وهو ينزع زيّ رجل دين، رافعاً يده المترفة إلى مسافةٍ قريبة من فمه قبل أن تصلَ شفتيه الورديتين رشفةٌ من “قهوة الصّباح”.

هي خياراتٌ مفتوحة، وسهْلٌ الاختيار بينها. المجالسُ مفتوحةٌ، وأبوابُ السّجون لا تُغلق طوال الموسم. بين الاختيار والتنفيذ ثمّة مكابداتٌ تُشبه وضعيّة الجنين الذي يريد الخروج من بطن أمّه، قبل أوانه الموعود. في هذه الحال، تتشابك الصّورُ، وتتداخلُ المشاعر، وتكتظ الأيدي بالعَرقِ والهواجس.

صاحبُ الكلمة الفصْل؛ لا ينطق، إلا رمْزاً. والملاحَقون بالجنائز لا يعرفون الصّمت. ذوو البدلاتِ الأنيقة غير قادرين، من تلقاء أنفسهم، على ضَمِّ الشّفرةِ الجامعةِ بين العمل المعارض والالتزام الأخلاقي. والسّلطةُ تفلحُ كلّ مرةٍ في إحداثِ الثّقوب في “القربة” المثقوبة أصلاً.

يتناولُ صاحبُنا يدَه، بعد انطفاء نهارٍ طويل. يسألُ عن معنى اختفاءِ بعض الخطوط منها بعد أكثر من ١٢ ساعة من حمْل “أكياس الطّحين”. زميله، المطحون مثله، يُخبره إنّها المرّة الأولى له على هذا العمل الشّاق، ولكنّ شيئاً من الرّاحة يُدغدغ قلبَه المكسور. يقرّران أن يحتفلا بهذه المناسبة: “لنُشْعِلَ شمعةً، ونكفّ عن لعْن الظلام”.

قبل أن يبدأ الاحتفال، يهتزّ الهاتفُ النّقال. رسالة نصيّةٌ جاحدةٌ تنقلُ أخباراً للشّابِ الذي اعتادَ الغدرُ على اقتحامِ اللّقمةِ المسحوبة إلى فمه. “لنحتقلَ يا صاحِ. الغدرُ والظلام سيّان، لا ينفع معهما إلا شمْعٌ وضّاء”. يتوجّهان إلى زوايةٍ من الميناء، ويفرشان وشاحاً منقّطاً بالأزرق والأحمر والأصفر. يجلسان عليه، يضحكان، يأكلان.. يدفعان اللّقمةَ بماء مخلوطٍ من قشْر البرتقال، وينامان على ضوء شمعةٍ.. صغيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى