ما وراء الخبر

إخفاء منهج الشيخ علي سلمان في “النزال السياسي”: خطر التنازل المضمر

 

البحرين اليوم – (خاص)

من العسير أن يطمئن المرء إلى الدعوات الطافرة مجددا حول “الحل السياسي” في البحرين، ما دام الفاعلون السياسيون الأساسيون في المعتقلات الخليفية، جنبا إلى جنب حال قادة الحراك الميداني الذين يواجهون خطر الاغتيال والتصفيات الجسدية والمعنوية، فضلا عن الترويع اليومي للأهالي وقمع تظاهرات الناس في البلدات. في أدوات السياسة، ولو كانت بمفهومها غير “النظيف”؛ فإن المنطقي أن يكون القادة السياسيون والميدانيون بأمان تام، ويحظون بالغطاء اللازم لأن يتصدّروا مكانهم الطبيعي في حرية الكلام والحركة، وبعدها يُتاح – بمعيتهم – إطلاق الكلام حول الحلول السياسية ورسم طاولة المفاوضات المفترضة، ولو على الصورة التي يتداعى نفر من السياسيين اليوم لإطلاقها في الهواء. عدا ذلك، فإن المشهد سيكون شبيها بالمرء الذي يقطّع تفاحة استوى عليها العفن منذ زمن طويل، ويُطلِق رغم ذلك كل دعاياته لتبشير الجائعين بالطعام المناسب. هذه الحال سيكون ليس عسيرا فحسب، بل مستحيلا، مع هذا الكم الهائل من الجرائم الممنهجة، المصحوبة بكميّات غير محدودة من الترهيب والقتل الممنهج وإزهاق كل معالم الحياة والوجود للسكان الأصليين.

أيا تكن “النوايا الحسنة” التي يصدر عنها صُناع الكلام عن “الحوار” و”التفاوض” مع الخليفيين؛ فإن خارطة الأحداث الجارية على الأرض، وبمرأى الجميع، تقول إن تلك الصناعة تتحرك خارج “الواقع” وضد “الواقعية” بمعناها الحقيقي. وليس هناك من تبرير وجيه لإسماع الناس – وفي أوقات مريبة – مبادرات عن ضرورات هذه الصناعة، مادام في الأيدي خيارات أخرى ممكنة، و”واقعية” أيضا، يمكنها أن تُسهم في صدّ النظام والوقوف في وجه إرادته المجنونة في القتل والاضطهاد الواسع. وفي الحد الأدنى من تلك الخيارات، هناك خيار المضي قُدما في المعركة السياسية “المفتوحة” التي مثّلها أمين عام جمعية الوفاق المعتقل الشيخ علي سلمان، والحفاظ على خطابه السياسي – رغم الملاحظات التي يمكن تسجيلها عليه – ولاسيما خطابه التي تبلور بوضوح في الفترة الأخيرة التي سبقت اعتقاله في ديسمبر ٢٠١٤م، وخصوصا لجهة احتضانه المتتالي لمقولات الثورة، والتمسك بثنائية “الكرامة” و”السياسة” في مخاطبة المشروع الخليفي، بما ضمن معه عدم إهدار العناوين العامة للحراك السياسي المعارض الذي شكلته “الوفاق” في تطورها التدريجي تحت قياة الشيخ سلمان، وبموازاة الترسيخ “الشرعي” للثورة الذي زاوله الشيخ عيسى قاسم بطريقته الخاصة، وقبل احتجابه القسري عن المنبر العام.

لاشك أن بعضا من المؤمنين بمنهج الشيخ سلمان لم يتوان عن المضي عليه، والتأكيد – ما استطاع إلى ذلك سبيلا – على ثباته العلني في المشهد السياسي العام، إلا أن هذا البعض وجد نفسه محاصرا بالقمع الرسمي من جهة، والتنظيرات التفاوضية داخل “الوفاق” وخارجها من جهة أخرى، الأمر الذي أدى إلى تآكل منهجية “المقاومة السياسية” التي ثبّتها الشيخ سلمان، لتختفي تماما باختفاء كل قيادات الجمعية التي عمد النظام إلى إبلاغها رسائل تهديد جديدة بإصداره يوم الاثنين ١٩ فبراير ٢٠١٨ حكما نهائيا بحلها، وكأن الخليفيين يطربون أكثر في الإسكات والترهيب حينما يعم أكثر الانحناء له والتوسُّل لفسح باب الجلوس معه!

ولاشك أيضا أن كلفة مواصلة منهج “المقاومة السياسية”، ولو بمقياس الشيخ سلمان، سوف تؤدي لكلفة باهظة، وعلى النحو الذي تعرض له أبومجتبى شخصيا، بما في ذلك محاولة اغتياله قبل نحو عام من اعتقاله بعد ضرب مسيرة كان يُشارك فيها ببلدة البلاد القديم وأُصيب يومها أحد مرافقيه بإصابة خظيرة، ثم اعتقاله وزجه في سلسلة من الاتهامات المفبركة، وبالتالي ضمان إبقائه أطول فترة ممكنة داخل السجن، انتقاما من ثباته على نهجه السياسي، ولأجل “المساومة” به على كسر هذا النهج بين أتباعه أو بين من تبقى منهم من قيادات الجمعية داخل البلاد. إلا أن كل ذلك ليس دليلا ساندا على عدم جدوى الاستمرار في هذا الخيار بالنسبة للمعارضين السياسيين من رافعي راية “الإصلاح” وفق الملكيات الدستورية العريقة. ولعل “تجاوز” الخليفيين لخلاف المتوقع، واعتقالهم للرجل الذي كان مقبولا عندهم لسنوات على طاولة “الحوار”؛ هو مؤشر فعلي على أن ضربات موجعة كان يُحدثها – أو يمكن أن يُحدثها – هذا اللون من المعارضة السياسية، وكيف أنها كسبت نقاطا إيجابية لا يمكن نُكرانها في تفكيك شرعية النظام الخليفي، وفي خلق مساحات – كان يمكن التأسيس عليها – في انتشار المعارضة البحرانية – بثوبها “الإصلاحي” – داخل منظومات المجتمع السياسي الدولي، وهو ما سيكون له الأثر التراكمي في تفخيخ وجود آل خليفة سياسيا، والإطاحة ببعض المداميك الداعمة لآل خليفة والتي ضمنت استمرارهم بعد أن كانوا على وشك الانهيار في اليوميات الأولى لثورة ١٤ فبراير.

لا يكلّف سياسيو ما بعد اعتقال الشيخ علي سلمان – في الأعم الأغلب – مهمة إحياء منهجه السياسي، والإبقاء على وهجه “الصارم” والإمكانات التي يتوفر بها في تصاعده المحتمل ليكون قريبا أكثر من “قواعد الاشتراك” مع قوى الثورة من جهة، وأقرب أيضا من “قواعد الاشتباك” مع قوى الثورة المضادة من جهة أخرى. وأسباب إهمال هذه المهمة وإخفائها ليست قليلة، فهناك مشكلة التصدُّع الداخلي وبذور الافتراق الكامنة داخل بنية “الوفاق”، لكونها كانت أصلا خليطا غير متجانس من الفاعلين والشخصيات والوجهاء والتكنوقراط، كما أن هناك الخطأ الجسيم الذي يتحمله الشيخ سلمان نفسه، وذلك بعدم بناء منظومة صلبة من القيادة البديلة والتي يُضْمَن أنها ستسير على نهج “الأمين العام”، وتكون مؤهلة لحمل “الأمانة” بعد غيابه أو تغييبه القسري. من الأكيد أن أدوات القمع والابتزاز التي مورست ضد وجوه “الوفاق”، بعد اعتقال أمينها العام، كان لها التأثير السلبي على أداء هذه الوجود واستمرار ظهورها السياسي، ولكن الاحتجاج بها لتبرير أو تفسير التراجع عن المعارضة التي أرساها “قائد” هذه الجمعية ورمزها الأول؛ هو علامة إدانة مزدوجة، فهو يكشف عن ضعف في إرادة المعارض، وعن تضاؤل في الحجم السياسي بالمقارنة حتى مع أناس عاديين أو نشطاء حقوقيين نجحوا في امتحان “غرف الموت”، بأنْ ثاروا عليها وتمردوا على الجلادين وواصلوا طريقهم المعارض من غير اكتراث بالتهديدات غير المنقطعة.

مع قُرب انتخابات البرلمان الخليفي، لم يصدر عن “المعارضة السياسية” موقف واضح حتى الآن بمقاطعة هذه الانتخابات على قاعدة “ليس لكم شرعية” التي فجّرها الشيخ سلمان في فضاء تلك المعارضة، ملتحقا في ذلك بأسبقية قوى الثورة في بيانها “السياسي” الرافض لحكم آل خليفة. وهناك خشية في أوساط متابعين من أن يكون تلكؤ إعلان مقاطعة البرلمان – على قاعدة المفاصلة – له صلة بما يتحدث عنه بعض السياسيين بخصوص “مشروع سياسي” متاح للتفاوض مع النظام، وهي خشية لا ينقضها الخطابُ “شديد اللهجة” التي رافقَ الإعلان عن ذلك المشروع، الذي ظل غامضا غموضَ الإخفاء المؤسف لظلّ الشيخ علي سلمان ومنهجه في المقارعة السياسية. وعليه، وفي حال تم استكمال نتائج إخفاء منهج الشيخ سلمان؛ فإن الحلبة السياسية المقبلة لن تشهد نزالا مع النظام، بل تنازلا آخر، ولو واصلَ المعارضون في الداخل التخفي عن الأنظار، أو استمر المعارضون في الخارج بإطلاق الإطلالات الإعلامية الساخنة بين موسم وآخر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق